تحول استراتيجي: انشغال ترامب بإيران يدفع أوروبا وأوكرانيا نحو فك الارتباط مع واشنطن

تحوّل تركيز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل ملحوظ نحو الحرب مع إيران، ما أدى إلى تراجع ملف الحرب في أوكرانيا داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، ودفع أوروبا إلى تسريع خطواتها نحو تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
وأظهرت التطورات الأخيرة أن أوكرانيا لم تعد أولوية مركزية في البيت الأبيض، بعد نحو شهرين من اندلاع الحرب الإيرانية، حيث باتت إيران محور الاهتمام الرئيسي للإدارة الأمريكية، في حين تراجع الحديث عن الصراع مع روسيا بشكل واضح داخل الجناح الغربي.
وقد صعّد ترامب لهجته تجاه حلفائه الأوروبيين، حيث هاجم قيادات أوروبية وهدد بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في عدة دول، كما أجرى اتصالاً مطولاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دون تنسيق مسبق مع كييف.
في المقابل، لم تُقابل هذه التحركات بردود فعل أوروبية حادة كما كان متوقعاً، إذ باتت العواصم الأوروبية تتعامل مع هذا التحول باعتباره واقعاً قائماً، وتعمل على التكيف معه بدلاً من مقاومته.
ودفعت هذه التطورات القادة الأوروبيين إلى إعادة تقييم علاقتهم الأمنية مع واشنطن، وسط حديث متزايد عن إنشاء إطار دفاعي أوروبي مستقل.
وأكد مسؤولون أوروبيون أن تأثير الحرب مع إيران والحصار المفروض على مضيق هرمز كان سلبياً على أوروبا وأوكرانيا، لكنه في الوقت ذاته عزز تصميم القارة على دعم كييف وتعزيز قدراتها الذاتية.
في هذا السياق، برزت دعوات لتوسيع التعاون الدفاعي ليشمل دولاً خارج الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك المملكة المتحدة والنرويج، إضافة إلى أوكرانيا نفسها.
وعلى الرغم من تراجع الاهتمام الأمريكي، استفادت أوكرانيا من التطورات الجيوسياسية لتعزيز مكانتها، خاصة في مجال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي، ما جعلها شريكاً مهماً للدول الأوروبية والخليجية الباحثة عن هذه القدرات.
وأقر الاتحاد الأوروبي حزمة دعم مالية ضخمة بقيمة 90 مليار يورو لدعم كييف، في خطوة تعكس تحوّلاً نحو تحمل أوروبا مسؤولية أكبر في إدارة الصراع.
وأظهرت استطلاعات الرأي داخل أوكرانيا تراجع الثقة بالدعم الأمريكي، حيث يعتقد 40% فقط من الأوكرانيين أن واشنطن ستواصل تقديم الدعم اللازم، بانخفاض ملحوظ مقارنة ببداية العام.
كما تراجعت الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية، في ظل مؤشرات على تقليص الالتزام العسكري الأمريكي في أوروبا، وتأخر صرف مساعدات مالية كانت قد أقرها الكونغرس سابقاً.
وواجهت إدارة ترامب انتقادات من شخصيات سياسية أمريكية بارزة، من بينها زعيم الأغلبية الجمهورية السابق ميتش ماكونيل، الذي اعتبر أن التردد في دعم أوكرانيا يضعف قدرتها على مواجهة روسيا ويقوّض فرص الحل الدبلوماسي.
كما اعتبر خبراء أن التحول الأمريكي نحو روسيا والتراجع عن دعم أوكرانيا يمثل خطأً استراتيجياً كبيراً، مع تداعيات محتملة على التوازنات الدولية.
وبدأت أوروبا في إعادة رسم خريطة تحالفاتها، حيث يجري التفكير في إنشاء منظومة أمنية جديدة تقلل من الاعتماد على الولايات المتحدة، في ظل تراجع الالتزام الأمريكي التقليدي تجاه حلف شمال الأطلسي.
وفي هذا السياق، برزت تحركات لعقد اجتماعات موسعة تضم دولاً أوروبية وشركاء دوليين، في محاولة لبناء نظام أمني أكثر استقلالية.
وتعكس هذه التطورات تحولاً عميقاً في بنية العلاقات عبر الأطلسي، حيث لم تعد الولايات المتحدة الضامن الوحيد لأمن أوروبا، بل باتت القارة مضطرة لتطوير قدراتها الدفاعية بشكل مستقل.
ويرى محللون أن تركيز ترامب على إيران جاء على حساب أولويات استراتيجية أخرى، ما سرّع عملية إعادة التوازن داخل النظام الدولي، ودفع أوروبا إلى تبني نهج أكثر استقلالية في إدارة أمنها.



