الاتحاد الأوروبي يدعو لمكافحة الفقر دون تمويل جديد

تستعد المفوضية الأوروبية لإطلاق أول استراتيجية شاملة لمكافحة الفقر، في خطوة تهدف إلى دفع الدول الأعضاء لاتخاذ إجراءات أكثر فاعلية، إلا أن الخطة تواجه انتقادات حادة بسبب غياب أي تمويل إضافي لدعم تنفيذها.
وأفادت مسودة الاستراتيجية بأن المفوضية ستطلب من حكومات الاتحاد الأوروبي العمل على تقليل معدلات الفقر عبر تحسين استخدام الموارد المالية المتاحة حالياً، بدلاً من تقديم حزم تمويل جديدة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والحقوقية.
وتركز الخطة على تعزيز تنسيق السياسات الاجتماعية بين الدول الأعضاء، مع إيلاء اهتمام خاص لفقر الأطفال، والإقصاء السكني، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب دعم الفئات ذات الدخل المحدود وكبار السن.
وتأتي هذه المبادرة في وقت تتصاعد فيه أزمة تكاليف المعيشة في أوروبا، حيث أصبحت قضايا السكن والأجور والخدمات العامة محوراً رئيسياً في النقاش السياسي، وساهمت في صعود أحزاب اليمين المتطرف في عدد من الدول.
وأشار مسؤولون أوروبيون إلى أن الاتحاد يمتلك بالفعل موارد مالية كافية، بما في ذلك نحو 100 مليار يورو مخصصة للسياسات الاجتماعية ضمن الميزانية طويلة الأجل، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف استغلال هذه الأموال من قبل الحكومات الوطنية.
وأكدت المفوضية أن هدفها يتمثل في تحسين كفاءة استخدام الموارد الحالية، وتوفير أدوات إضافية للدول الأعضاء لتعزيز سياساتها الاجتماعية، مع اعتبار هذه الاستراتيجية نقطة انطلاق لمقترحات أكثر تفصيلاً في المستقبل.
غير أن منتقدين يرون أن هذه المقاربة غير كافية، حيث شدد نواب في البرلمان الأوروبي على ضرورة توفير تمويل موجه وإجراءات ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بالتوصيات والإرشادات العامة.
وقالت النائبة الأوروبية ماري توسان إن الاتحاد بحاجة إلى دور قيادي أقوى في ضمان تنفيذ السياسات، بدلاً من ترك المسؤولية بالكامل للدول الأعضاء، محذرة من أن غياب التمويل قد يفرغ الاستراتيجية من مضمونها.
كما أكدت منظمات حقوقية أن أي خطة لمكافحة الفقر لا يمكن أن تنجح دون موارد مالية إضافية، مشيرة إلى أن البيروقراطية وصعوبة الوصول إلى الدعم تمثلان عائقين رئيسيين أمام الفئات الأكثر احتياجاً.
وأظهرت البيانات أن نحو 20.9% من سكان الاتحاد الأوروبي كانوا معرضين لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي في عام 2025، مقارنة بـ21.1% في عام 2019، ما يعكس تحسناً محدوداً رغم الجهود المبذولة.
وكان الاتحاد قد حدد هدفاً بخفض عدد الأشخاص المعرضين للفقر بمقدار 15 مليون شخص بحلول عام 2030، والقضاء عليه بحلول عام 2050، إلا أن التقدم المحقق حتى الآن لا يزال دون المستوى المطلوب.
وتفاوتت النتائج بين الدول، حيث سجلت دول مثل رومانيا وبلغاريا تحسناً ملحوظاً، بينما شهدت دول غنية مثل ألمانيا وفرنسا والنمسا ارتفاعاً في معدلات الفقر، خاصة بعد تداعيات جائحة كورونا.
ويرى مراقبون أن استمرار الفجوة بين الأهداف والنتائج يعكس تحديات هيكلية في السياسات الاجتماعية الأوروبية، ويزيد من مخاطر استغلال هذه الأوضاع سياسياً من قبل التيارات الشعبوية.
وتؤكد المفوضية أن التصدي للفقر لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل يشمل أيضاً الحفاظ على الثقة في المؤسسات الأوروبية ومنع تنامي التطرف، في ظل ارتباط الأوضاع المعيشية بالاستقرار السياسي.
ومع ذلك، يبقى نجاح الاستراتيجية مرهوناً بقدرة الدول الأعضاء على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وتوفير الإرادة السياسية لتوجيه الموارد بشكل أكثر عدالة وكفاءة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي.



