رئيسيمنوعات

حملة بيئية جديدة في أوروبا لمنح البحيرات والأنهار والغابات حقوقاً قانونية

تتصاعد في أوروبا حملة بيئية جديدة تدعو إلى تغيير جذري في طريقة تعامل القانون مع الطبيعة، عبر منح البحيرات والأنهار والغابات حقوقاً قانونية تسمح لها بملاحقة الجهات التي تتسبب في تدميرها أو تلويثها أمام المحاكم.

ويسعى نشطاء بيئيون عبر مبادرة مواطنين أوروبية جديدة إلى دفع الاتحاد الأوروبي لإقرار تشريعات تعتبر الأنظمة الطبيعية كيانات تمتلك حقوقاً قانونية، بطريقة مشابهة للوضع القانوني الذي تتمتع به الشركات والمؤسسات.

وتقوم الفكرة على إمكانية أن يمثل أشخاص أو جهات وصية عناصر الطبيعة المتضررة أمام القضاء، بحيث تستطيع بحيرة ملوثة أو غابة تعرضت للتدمير رفع دعاوى ضد الشركات أو الجهات المسؤولة عن الإضرار بها.

وتحتاج المبادرة إلى جمع أكثر من مليون توقيع من مواطنين داخل سبع دول على الأقل من دول الاتحاد الأوروبي، حتى تضطر المفوضية الأوروبية إلى دراسة المقترح رسمياً.

وقال إيمانويل شليشتر، المنظم الرئيسي للحملة، إن الهدف هو دفع المجتمعات إلى التفكير في مستقبل لا يقوم على استغلال الطبيعة وتدميرها، بل على التعاون معها وحمايتها.

وتأتي المبادرة في مرحلة تشهد فيها أوروبا نقاشاً حاداً حول مستقبل السياسات البيئية، مع تراجع الزخم السياسي الذي رافق الصفقة الخضراء الأوروبية بين عامي 2019 و2024.

وخلال السنوات الماضية، تبنى الاتحاد الأوروبي إجراءات واسعة لمواجهة تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، لكن الأولويات تغيرت مع زيادة التركيز على القدرة التنافسية الاقتصادية وتقليل القيود التنظيمية على الشركات.

وتعمل بروكسل حالياً على مراجعة بعض القوانين بهدف تخفيف الأعباء الإدارية، وهو ما أثار مخاوف المنظمات البيئية من تراجع مستوى حماية الموارد الطبيعية.

وقال شليشتر إن توقيت المبادرة مهم بسبب ما وصفه بردة فعل سياسية ضد التشريعات البيئية في أوروبا، مؤكداً أن الحملة تهدف إلى إعادة الأمل وتعزيز دور المواطنين في حماية الأنظمة البيئية.

وتستند المبادرة الأوروبية إلى تجارب قانونية بدأت بالفعل داخل بعض الدول، أبرزها إسبانيا، التي أقرت عام 2022 قانوناً منح بحيرة مار مينور في منطقة مورسيا حقوقاً قانونية خاصة.

وبموجب هذا القانون، أصبحت البحيرة تمتلك حق “الوجود كنظام بيئي والتطور بشكل طبيعي”، ويمثلها أوصياء من العلماء والسياسيين المحليين والمواطنين.

وتستخدم هذه الصلاحيات حالياً في قضية قانونية ضد شركة متهمة بالمساهمة في تدهور النظام البيئي للبحيرة.

وطالب الادعاء في القضية بسجن رجل أعمال مرتبط بالملف لمدة سبع سنوات، إضافة إلى دفع تعويضات مالية تتجاوز نصف مليون يورو.

وترى النائبة الأوروبية عن حزب الخضر جوتا باولوس أن هذه الحركة تكتسب زخماً متزايداً داخل أوروبا، معتبرة أن منح الطبيعة وضعاً قانونياً أقوى يمثل خطوة مهمة للحفاظ على الموارد التي تعتمد عليها المجتمعات.

وتوجد محاولات مشابهة في دول أوروبية أخرى، بينها مبادرات مرتبطة بنهر لوار في فرنسا وبحيرة فاترن في السويد، رغم اختلاف مستويات النجاح.

كما شهدت أيرلندا تحركات لمنح الطبيعة حقوقاً دستورية، لكنها فقدت زخمها السياسي لاحقاً.

ويقول مؤيدو المبادرة إن الهدف الأساسي هو توحيد هذه الجهود المتفرقة تحت إطار أوروبي مشترك يمنح المواطنين قدرة أكبر على الدفاع عن البيئة محلياً.

ويرى شليشتر أن القوانين البيئية الأوروبية الحالية قد تكون قوية نظرياً، لكنها تواجه مشكلة كبيرة في التطبيق داخل الدول الأعضاء.

وأشار إلى أن بعض التشريعات المهمة، مثل التوجيه الأوروبي الخاص بالمياه، لا يتم تنفيذها بشكل فعال بما يكفي لحماية الأنهار والبحيرات.

لكن الفكرة تواجه أيضاً انتقادات من باحثين وقطاعات اقتصادية، يشككون في جدوى منح الطبيعة “شخصية قانونية”.

ويرى منتقدون أن تحديد حقوق كيان طبيعي مثل نهر أو غابة قد يكون أمراً معقداً، خاصة عند محاولة تحديد الحدود القانونية لهذه الكيانات أو كيفية تمثيل مصالحها.

وتحذر بعض القطاعات الصناعية من أن منح الطبيعة هذه الصلاحيات قد يؤدي إلى تعطيل مشاريع اقتصادية مهمة.

وأعربت مجموعات مرتبطة بصناعة التعدين عن مخاوفها من أن تصبح بعض المشاريع الاستراتيجية أكثر عرضة للطعن القانوني، خصوصاً مع حاجة أوروبا إلى المواد الخام اللازمة للتحول الأخضر والصناعات الرقمية.

وقالت سينثيا ميستانزا فرنانديز، المتخصصة في الشؤون البيئية داخل منظمة يوروماينز، إن التأثير المحتمل على قطاع التعدين قد يكون كبيراً إذا أصبح بالإمكان رفع دعاوى باسم الأنظمة البيئية نفسها.

في المقابل، يؤكد منظمو المبادرة أنهم لا يسعون إلى خلق طبقات جديدة من البيروقراطية، بل إلى جعل القوانين القائمة أكثر فاعلية.

ويعتبر المدافعون عن الفكرة أن حماية الطبيعة لم تعد مجرد قضية بيئية، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الغذائي والصحي ومستقبل المجتمعات الأوروبية.

ورغم صعوبة الطريق أمام المبادرة، يؤكد شليشتر استمرار الحملة، مشيراً إلى أن الوقت المتاح للدفاع عن السياسات البيئية قد يصبح محدوداً مع تصاعد التيارات المعارضة للتشريعات الخضراء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى