
تتحرك المفوضية الأوروبية لإطلاق خطة واسعة تهدف إلى تقليل اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على التكنولوجيا الأمريكية، وسط مخاوف متزايدة من تحول السيطرة على البنية الرقمية العالمية إلى نقطة ضعف استراتيجية في ظل التوترات الجيوسياسية واضطراب العلاقات التجارية مع واشنطن.
وتستعد بروكسل للكشف عن حزمة إجراءات جديدة لتعزيز ما تصفه بـ”السيادة التكنولوجية الأوروبية”، وتشمل تقليل الاعتماد الخارجي في قطاعات حساسة مثل الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والبرمجيات ومراكز البيانات.
وحذرت المفوضية الأوروبية في مسودة الاستراتيجية من أن “تزايد التشرذم الجيوسياسي واستخدام سلاسل التوريد كسلاح جعلا الاعتماد التكنولوجي عبئاً استراتيجياً”، في إشارة إلى القلق الأوروبي من إمكانية تأثر الخدمات الرقمية الحيوية بالقرارات السياسية أو الأزمات الدولية.
وتقوم الخطة الأوروبية على أربعة مسارات رئيسية، أولها مراجعة اعتماد المؤسسات الحكومية على خدمات الحوسبة السحابية الأجنبية. وتهدف بروكسل إلى دفع دول الاتحاد لاختبار مدى تعرض إداراتها العامة للمخاطر في حال حدوث اضطرابات أو قيود على الخدمات التي توفرها شركات أجنبية كبرى.
وترى المفوضية أن هذه الخطوة ستساعد الحكومات الأوروبية على تحديد نقاط الضعف والبحث عن بدائل أكثر أماناً، خصوصاً في القطاعات التي ترتبط بالبنية التحتية الحساسة والبيانات السيادية.
أما المسار الثاني فيركز على تعزيز صناعة الرقائق الإلكترونية داخل أوروبا عبر تطوير قانون الرقائق الأوروبي، وتقديم دعم أكبر للمشاريع الصناعية الكبرى في هذا القطاع.
وتسعى بروكسل إلى تسريع إجراءات الترخيص وتسهيل الدعم الحكومي للمصانع الجديدة، بعد أن كشفت أزمات سلاسل التوريد العالمية حجم اعتماد أوروبا على الخارج في أشباه الموصلات.
وأكدت المفوضية أن نقص الرقائق خلال السنوات الماضية كشف تأثير اضطرابات الإمدادات على قطاعات حيوية، بينها صناعة السيارات والمعدات الطبية والطاقة والسلع الاستهلاكية.
ويتمثل المسار الثالث في تعزيز الاعتماد على تقنيات المصدر المفتوح، في محاولة لتقليل هيمنة الشركات الأمريكية الكبرى على البرمجيات المستخدمة داخل أوروبا.
وتعتبر بروكسل أن البرمجيات مفتوحة المصدر تمنح الحكومات والشركات قدرة أكبر على التحكم في البيانات والأنظمة الرقمية، وتقلل مخاطر الارتباط بمورد واحد.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن الاتحاد ينفق مئات المليارات من اليوروهات سنوياً على حلول رقمية، يذهب جزء كبير منها إلى شركات تكنولوجية أمريكية.
أما التحدي الرابع فيتعلق بالتمويل، إذ تحتاج أوروبا إلى استثمارات ضخمة لبناء بنية تحتية رقمية مستقلة قادرة على منافسة الولايات المتحدة والصين.
وتقدر المفوضية حاجة الاتحاد إلى نحو 200 مليار يورو لتوسيع قدرات مراكز البيانات بحلول عام 2036، إضافة إلى مليارات أخرى لتطوير الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي.
وتراهن بروكسل على جذب القطاع الخاص للاستثمار في مشاريع التكنولوجيا الأوروبية، عبر إنشاء بيئة أكثر جاذبية للشركات والمستثمرين.
ورغم طموح الخطة، تشير تقديرات إلى أن الطريق أمام أوروبا لن يكون سهلاً، نظراً لحجم التفوق الذي تتمتع به شركات التكنولوجيا الأمريكية في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
لكن الاتحاد الأوروبي يرى أن المرحلة المقبلة تتطلب تقليل نقاط الضعف الرقمية، وبناء قدرة تكنولوجية مستقلة تضمن عدم تحول الاعتماد على الخارج إلى أداة ضغط سياسي أو اقتصادي في المستقبل.



