رئيسيشؤون دولية

سياسة ترامب الدفاعية تعمق مخاوف أوروبا من فك الارتباط العسكري مع واشنطن

تتصاعد مخاوف أوروبا من تحول تقليص الدور العسكري الأمريكي في القارة من مجرد احتمال سياسي إلى سياسة فعلية في عهد الرئيس دونالد ترامب، بعد سلسلة قرارات أثارت تساؤلات حول مستقبل العلاقة الدفاعية بين ضفتي الأطلسي.

وجاءت المخاوف الجديدة بعد تقارير عن رفض وزارة الدفاع الأمريكية بيع صواريخ “توماهوك” بعيدة المدى لألمانيا، في خطوة اعتبرها محللون مؤشرا على تحول أعمق في موقف واشنطن تجاه دورها الأمني داخل أوروبا.

ورغم تفسيرات تربط القرار بمحاولة تجنب تصعيد محتمل مع روسيا، فإن منتقدين يرون أن الخطوة تتجاوز إعادة توزيع المسؤوليات الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي، وتمثل بداية لفصل تدريجي بين الأمن الأمريكي والأوروبي.

وتزامن القرار مع سلسلة إجراءات أمريكية أخرى، شملت تقليص الوجود العسكري في ألمانيا وسحب آلاف الجنود، إضافة إلى وقف خطط نشر وحدات مجهزة بصواريخ بعيدة المدى وخفض مساهمات أمريكية مقررة في قدرات الردع التابعة للناتو.

وتقول وزارة الدفاع الأمريكية إن هذه التحركات تهدف إلى دفع أوروبا لتحمل حصة أكبر من مسؤولية الدفاع عن نفسها، وإنهاء الاعتماد المفرط على القدرات العسكرية الأمريكية.

لكن محللين يرون أن هناك فرقا بين مطالبة الأوروبيين بزيادة الإنفاق الدفاعي وبين منعهم من الحصول على أنظمة تسليح متقدمة يحتاجون إليها لتعزيز قدراتهم المستقلة.

وأثار وقف صفقة صواريخ توماهوك مع ألمانيا تحديدا قلقا واسعا، لأن هذه الصواريخ كانت ستوفر قدرة ضرب بعيدة المدى تساعد أوروبا على سد فجوة استراتيجية إلى حين تطوير أنظمتها الخاصة.

وتعمل عدة دول أوروبية على بناء قدرات صاروخية بعيدة المدى، لكن هذه المشاريع تحتاج سنوات قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام، ما يترك فجوة في منظومة الردع الأوروبية خلال المرحلة الحالية.

ويعيد الجدل الحالي إلى الواجهة نقاشا قديما داخل حلف الناتو بشأن احتمال “فصل” الأمن الأمريكي عن الأمن الأوروبي، وهي مخاوف ظهرت خلال الحرب الباردة مع تطور القدرات العسكرية السوفيتية.

وخلال سبعينيات القرن الماضي، دفعت المخاوف الأوروبية من الصواريخ السوفيتية متوسطة المدى حلف الناتو إلى نشر أنظمة ردع جديدة، قبل توقيع اتفاقيات للحد من الأسلحة بين واشنطن وموسكو.

لكن الفارق الرئيسي اليوم، وفق خبراء، أن القلق الأوروبي لم يعد ناتجا فقط عن تحركات روسية، بل عن قرارات أمريكية تقلل ارتباط واشنطن المباشر بالدفاع عن أوروبا.

ويرى منتقدو سياسة ترامب أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر تركيزا على أولويات أمنية أخرى، بينما تتعامل مع أوروبا باعتبارها مطالبة بتوفير حماية ذاتية أكبر.

وفي المقابل، يؤكد مسؤولون أمريكيون أن الحلفاء الأوروبيين استفادوا لعقود من القدرات العسكرية الأمريكية دون تحمل أعباء مالية وعسكرية كافية داخل الناتو.

وتتهم إدارة ترامب الدول الأوروبية بعدم تقديم دعم متوازن للولايات المتحدة في ملفات أمنية دولية، معتبرة أن التحالف يجب أن يتحول إلى علاقة تقوم على تقاسم المسؤوليات.

غير أن منتقدين يشيرون إلى تناقض في الموقف الأمريكي، إذ تطالب واشنطن أوروبا بتعزيز دفاعاتها، لكنها في الوقت نفسه تضع قيودا على حصولها على بعض الأسلحة الأمريكية المتطورة.

ودفعت هذه التحولات دولا أوروبية إلى زيادة الإنفاق العسكري وتسريع مشاريع إنتاج الأسلحة المحلية، بما في ذلك أنظمة هجومية بعيدة المدى تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة.

ويرى خبراء أن هذا الاتجاه قد يؤدي على المدى الطويل إلى قيام منظومة دفاع أوروبية أكثر استقلالا، لكنه قد يقلل أيضا من مستوى التنسيق العسكري داخل حلف الناتو.

وتتمثل المخاوف الأساسية في أن تصبح الأزمات الأمنية الأوروبية مستقبلا أقل ارتباطا مباشرة بالمصالح الأمريكية، ما قد يضعف مبدأ الردع المشترك الذي شكل أساس الحلف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد مراقبون أن استمرار هذا المسار قد يعيد رسم العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وينهي مرحلة استمرت لعقود كان فيها أمن الطرفين جزءا من منظومة استراتيجية واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى