“ديكتاتور” يهز البنك المركزي الأوروبي.. حملة ساخرة تتحول إلى معركة حول حرية التعبير

تحولت انتخابات داخلية عادية لاختيار ممثلي الموظفين في البنك المركزي الأوروبي إلى أزمة غير متوقعة، بعدما أثارت حملة انتخابية ساخرة لموظف قدّم نفسه على هيئة “ديكتاتور” جدلاً واسعاً حول حدود حرية التعبير داخل واحدة من أهم المؤسسات المالية في أوروبا.
وبدأت القصة عندما قرر جان كوشتا، وهو متخصص في تطوير تكنولوجيا المعلومات داخل البنك المركزي الأوروبي، خوض انتخابات لجنة الموظفين بحملة ساخرة مستوحاة من شخصية “الأدميرال علاء الدين” التي قدمها الممثل ساشا بارون كوهين في فيلم “الديكتاتور” عام 2012.
لكن ما بدأ كمزحة انتخابية تحول سريعاً إلى اختبار حساس لطريقة تعامل البنك المركزي الأوروبي مع النقد الداخلي والسخرية السياسية داخل المؤسسة.
وفي رسالة حملته التي أرسلها إلى موظفي البنك، قدم كوشتا نفسه باسم “الأميرال جنرال جان علاء الدين كوشتا”، مستخدماً صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها بزي عسكري مزين برموز أوروبية.
وتضمنت حملته وعوداً ساخرة، بينها إقامة ما وصفه بـ”ديكتاتورية استشارية عليا”، وتنظيم جلسات تصفيق إلزامية، وإلغاء التفكير المستقل، واستبدال تقييمات الأداء التقليدية بتصنيفات مستوحاة من شخصية الفيلم.
كما تعهد ساخراً بالحصول على “100% من الأصوات”، واستبدال الحوار الاجتماعي داخل المؤسسة بما سماه “جلسات تضامن إلزامية”، إلى جانب إجراء “عمليات تصحيح للرفاهية” للموظفين الذين لا تتوافق أفكارهم مع التوجه الرسمي.
إلا أن لجنة الانتخابات داخل البنك المركزي الأوروبي لم تتعامل مع الحملة باعتبارها مجرد مزحة.
وفي توبيخ رسمي داخلي، خلصت اللجنة إلى أن حملة كوشتا تجاوزت الحدود المقبولة للسخرية داخل بيئة العمل، رغم إقرارها بأن الحملات الانتخابية يمكن أن تستخدم التهكم والمحاكاة الساخرة.
وقالت اللجنة إن الجمع بين الاسم الساخر والزي العسكري والرموز الأوروبية واللغة المبالغ فيها تجاوز مستوى “المبالغة البلاغية” المتوافق مع القواعد الأخلاقية للمؤسسة.
وتتكون لجنة الانتخابات من سبعة أعضاء يتم اختيارهم عشوائياً من مستويات وظيفية مختلفة داخل البنك، وتتولى الإشراف على نزاهة العملية الانتخابية.
لكن القضية سرعان ما تجاوزت حدود الحملة الساخرة، لتفتح نقاشاً أوسع حول حرية التعبير داخل البنك المركزي الأوروبي.
ويأتي الجدل بعد اعتماد البنك قواعد انتخابية جديدة في ديسمبر 2025 تلزم المرشحين بأن تكون مواد حملاتهم متوافقة مع الإطار الأخلاقي للمؤسسة.
وكان ممثلو الموظفين قد انتقدوا هذه التغييرات منذ البداية، معتبرين أنها قد تتحول إلى أداة لتقييد التعبير وفرض رقابة على الخطاب الداخلي.
وتزامنت القضية أيضاً مع خلافات أوسع بين إدارة البنك وممثلي الموظفين بشأن حدود النقد المسموح به، حيث يخوض رئيس لجنة الموظفين الحالي نزاعاً قانونياً منفصلاً مع المؤسسة يتعلق بحرية التعبير.
وقالت لجنة الانتخابات إن اعتراضها لا يتعلق بالسخرية وحدها، بل باستخدام رموز عسكرية إلى جانب شعارات الاتحاد الأوروبي واليورو، إضافة إلى تصوير البنك المركزي الأوروبي بطريقة سلبية عبر عبارات تشير إلى وجود “مناخ خوف” أو “حصن قانوني غير خاضع للمساءلة”.
لكن أنصار كوشتا يرون أن هذه العبارات لم تكن سوى مبالغة ساخرة مستوحاة من انتقادات حقيقية يتم تداولها منذ سنوات داخل نقاشات الموظفين.
ورد كوشتا على قرار اللجنة برسالة إلى جميع الموظفين قال فيها إن استخدام القواعد المهنية لمعاقبة حملته يمثل تهديداً مباشراً لحرية التعبير.
وكتب: “عندما تواجه رسالة سياسية تعتمد على السخرية والمبالغة بعقوبات إدارية رسمية، فإن ذلك يؤكد أن المؤسسة طورت عدم تسامح عميقاً مع الفكر المستقل”.
ويرى مراقبون أن البنك المركزي الأوروبي وجد نفسه أمام سؤال معقد: أين ينتهي النقد السياسي والسخرية المشروعة، وأين يبدأ السلوك غير المناسب داخل مؤسسة رسمية؟
ورغم الضجة التي أثارتها حملته، فشل كوشتا في تحقيق وعده الساخر بالحصول على جميع الأصوات.
وبحسب نتائج الانتخابات، حصل على 630 صوتاً، ما جعله في المركز الثالث عشر من بين 15 مرشحاً، ولم يتمكن من الفوز بمقعد في لجنة الموظفين.
لكن حملته الصغيرة تركت وراءها نقاشاً أكبر بكثير من نتيجة الانتخابات نفسها، حول قدرة المؤسسات الأوروبية على تقبل النقد الداخلي حتى عندما يأتي في صورة كوميديا سياسية حادة.



