
تواجه أوروبا موجة جديدة من الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، في وقت يحذر فيه خبراء الصحة والمناخ من أن القارة لا تزال غير مستعدة للتعامل مع موجات الحر المتكررة، رغم مرور أكثر من عقدين على الكارثة المناخية التي شهدها صيف عام 2003 وأودت بحياة عشرات الآلاف.
ومع اجتياح موجة حر استثنائية أجزاء واسعة من غرب أوروبا، تشير التقديرات الأولية إلى أن درجات الحرارة المرتفعة تسببت بالفعل في وفاة المئات، وربما الآلاف، فيما لا تزال السلطات الصحية تعمل على حصر الأعداد الفعلية للضحايا، وهي عملية قد تستغرق عدة أسابيع.
وفي إسبانيا، ربط باحثون أكثر من 210 حالات وفاة سُجلت بين الأحد والأربعاء الماضيين بارتفاع درجات الحرارة، بينما شهدت فرنسا سلسلة من الحوادث المأساوية، بينها وفاة رجل مسن كان يعمل في الهواء الطلق، ووفاة طفلين بعد تعرضهما لدرجات حرارة مرتفعة داخل سيارات، إضافة إلى العثور على طفل في الثالثة من عمره متوفياً داخل سيارة.
ورغم أن الحكومات الأوروبية وضعت منذ موجة الحر الكارثية عام 2003 خططاً للطوارئ والإنذار المبكر، فإن الوفيات المرتبطة بالحرارة لا تزال تسجل عشرات الآلاف سنوياً، لتصبح الحرارة أحد أكبر التحديات الصحية التي تواجه القارة.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن العالم يشهد نحو 489 ألف وفاة سنوياً بسبب الحرارة، إلا أن أوروبا تستحوذ على نسبة مرتفعة بشكل غير متناسب من هذه الوفيات، رغم أن سكانها يمثلون أقل من 10 في المائة من سكان العالم.
وأظهرت بيانات المنظمة أن أوروبا فقدت أكثر من 200 ألف شخص بسبب موجات الحر خلال السنوات الأربع الماضية، فيما سجل عام 2022 وحده أكثر من 60 ألف وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
ويرى خبراء أن عدة عوامل تجعل أوروبا أكثر عرضة لتداعيات موجات الحر مقارنة بمناطق أخرى، في مقدمتها شيخوخة السكان، والتغير المناخي المتسارع، وخصائص المباني السكنية التي صممت للاحتفاظ بالحرارة خلال الشتاء، إضافة إلى محدودية استخدام أجهزة التكييف.
وأكد المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، هانز كلوج، أن معظم الدول الأوروبية لا تزال تتعامل مع موجات الحر باعتبارها أحداثاً موسمية عابرة، بينما أصبحت في الواقع أزمة صحية متكررة تتطلب استراتيجيات طويلة الأمد.
وأشار إلى أن تغير المناخ أدى إلى زيادة عدد موجات الحر وشدتها ومدتها، ما يفرض على الحكومات تطوير خطط أكثر شمولاً لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وعلى رأسها كبار السن والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة.
ويشكل كبار السن النسبة الأكبر من ضحايا موجات الحر، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى إرهاق القلب والأعضاء الحيوية أثناء محاولة الجسم تنظيم حرارته، وهو ما يزيد من احتمالات الإصابة بالسكتات الحرارية والأزمات القلبية ومضاعفات الأمراض المزمنة.
كما يسهم التغير الديموغرافي في أوروبا في تفاقم الأزمة، مع ارتفاع نسبة السكان المتقدمين في السن، بالتزامن مع تسجيل درجات حرارة غير مسبوقة في أشهر كانت تعد معتدلة نسبياً، مثل شهر يونيو.
ولا تقتصر المشكلة على التركيبة السكانية، بل تمتد إلى طبيعة المدن الأوروبية نفسها، حيث تحتفظ المباني بالحرارة لفترات طويلة بسبب تصميمها المعماري، ما يحول كثيراً من المنازل إلى بيئات شديدة السخونة خلال فصل الصيف.
وتحذر دراسات من أن غالبية المساكن الحالية في عدد من الدول الأوروبية ستكون معرضة لارتفاع مفرط في درجات الحرارة خلال العقود المقبلة إذا لم تخضع لعمليات تحديث شاملة تراعي التغيرات المناخية.
وفي العاصمة الفرنسية باريس، تسهم الأسطح المعدنية التقليدية في رفع درجات الحرارة داخل الشقق، فيما تواجه مدن أخرى تحديات مماثلة نتيجة الكثافة العمرانية وقلة المساحات الخضراء، وهو ما يزيد من ظاهرة “الجزر الحرارية” داخل المدن.
ورغم تزايد استخدام أجهزة التكييف في السنوات الأخيرة، فإن انتشارها لا يزال محدوداً في أوروبا، إذ لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بأنظمة تكييف نحو 20 في المائة، مقارنة بما يقارب 90 في المائة في الولايات المتحدة.
ولا يقتصر نقص التبريد على المنازل، بل يمتد إلى المدارس والمستشفيات ووسائل النقل وأماكن العمل، وهو ما أدى إلى ارتفاع الوفيات والإصابات المرتبطة بالحرارة بين العاملين في القطاعات الخارجية.
وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن الوفيات المرتبطة بالحرارة في أماكن العمل ارتفعت بنسبة 42 في المائة منذ عام 2000، ما دفع منظمات عمالية إلى المطالبة بوضع تشريعات تلزم أصحاب العمل بتحديد درجات حرارة قصوى للعمل، وإقرار فترات راحة إلزامية خلال موجات الحر.
ويحذر خبراء المناخ من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة بفعل التغير المناخي سيجعل موجات الحر أكثر تكراراً وشدة خلال السنوات المقبلة، مؤكدين أن أوروبا تحتاج إلى استثمارات واسعة في تحديث المباني، وتوسيع أنظمة التبريد، وزيادة المساحات الخضراء، وتعزيز خطط الاستجابة الصحية، إذا أرادت الحد من الخسائر البشرية التي باتت ترافق كل صيف تقريباً.



