رئيسيمال و أعمال

فرنسا تدفع نحو ضرائب أوروبية جديدة لتمويل ميزانية الاتحاد وتخفيف أعبائها المالية

تسعى فرنسا إلى الدفع باتجاه فرض ضرائب أوروبية جديدة لتمويل الميزانية الأوروبية المقبلة، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على المساهمات الوطنية للدول الأعضاء وتخفيف الأعباء المالية عن باريس.

ويأتي هذا التطور وسط مفاوضات معقدة بشأن ميزانية الاتحاد للفترة المقبلة التي تقدر بنحو تريليوني يورو.

وكشفت مصادر أوروبية مطلعة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وجّه إدارته للعمل على إعداد مقترحات لفرض موارد مالية جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي، في محاولة لتأمين مصادر تمويل مستقلة لميزانية التكتل، بعد تعثر التوافق بين الدول الأعضاء على حزمة الضرائب التي سبق أن اقترحتها المفوضية الأوروبية.

وتواجه باريس ضغوطاً مالية متزايدة، إذ تعد ثالث أكثر دول الاتحاد الأوروبي مديونية، ما يحد من قدرتها على زيادة مساهماتها المباشرة في ميزانية التكتل، في الوقت الذي ترفض فيه خفض حجم الميزانية الأوروبية لما تمثله من أهمية بالنسبة للدعم الموجه للقطاع الزراعي الفرنسي.

وبحسب مسؤولين أوروبيين، فإن ماكرون يفضل توسيع قاعدة الإيرادات الأوروبية من خلال فرض رسوم وضرائب تستهدف شركات التكنولوجيا العالمية، والجهات الأجنبية الأكثر تلويثاً للبيئة، بدلاً من تحميل الحكومات الوطنية أعباء مالية إضافية قد تنعكس على موازناتها الداخلية.

وتعثرت خلال الأشهر الماضية المقترحات التي تقدمت بها المفوضية الأوروبية، والتي تضمنت فرض رسوم على واردات الكربون، وانبعاثات الغازات، والنفايات الإلكترونية، وعائدات التبغ، إضافة إلى ضرائب على أرباح الشركات، بعدما واجهت اعتراضات من عدد من الدول التي رأت أن هذه الإجراءات ستؤثر بصورة غير متوازنة على قطاعاتها الاقتصادية.

وفي ظل استمرار المفاوضات حول الإطار المالي متعدد السنوات للاتحاد الأوروبي، تعمل باريس على حشد الدعم بين العواصم الأوروبية لمجموعة جديدة من المقترحات الضريبية التي ترى أنها تمتلك فرصاً أكبر للحصول على موافقة الدول السبع والعشرين بالإجماع.

وأكد وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي، بنيامين حداد، أن إيجاد مصادر دخل أوروبية جديدة يمثل “شرطاً أساسياً” لموافقة فرنسا على الميزانية المقبلة، مشيراً إلى أن الاعتماد الكامل على المساهمات الوطنية لم يعد خياراً عملياً في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.

وقال حداد إن “لا أحد يستطيع تحمل زيادة المساهمات الوطنية وحدها”، في إشارة إلى الضغوط التي تواجهها ميزانيات الدول الأعضاء، وخاصة الاقتصادات الكبرى داخل الاتحاد.

ورغم ذلك، لا تزال قضية فرض الضرائب الأوروبية الموحدة من أكثر الملفات حساسية داخل الاتحاد، نظراً لما تمثله من مساس مباشر بالسيادة الضريبية للدول، وهو ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق سريع محدودة قبل المراحل النهائية من مفاوضات الميزانية.

ويأمل رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في التوصل إلى اتفاق شامل بشأن الميزانية الجديدة خلال القمة الأوروبية المقررة في ديسمبر المقبل، فيما أوكل إلى الرئاسة الأيرلندية المقبلة لمجلس الاتحاد الأوروبي مهمة تسريع المفاوضات المتعلقة بملف الموارد الذاتية الجديدة قبل اجتماع القادة في أكتوبر.

وبحسب مسؤول أوروبي، طلب المجلس الأوروبي من أيرلندا إعداد “حزمة طموحة ومتوازنة” بشأن مصادر الإيرادات الجديدة، مع توقعات بأن توفر هذه الموارد نحو 400 مليار يورو خلال الفترة بين عامي 2028 و2034، أي ما يعادل نحو خمس الميزانية الأوروبية المقترحة.

وفي محاولة لكسر الجمود، اقترح البرلمان الأوروبي خلال مايو الماضي فرض رسوم جديدة على شركات العملات المشفرة، والمنصات الرقمية الكبرى، وشركات المقامرة عبر الإنترنت، وهي مقترحات لقيت دعماً أولياً من فرنسا وإسبانيا.

إلا أن باريس ترى أن هذه المقترحات لا تزال غير كافية لتغطية الاحتياجات التمويلية المتزايدة للاتحاد الأوروبي، ولذلك بدأت بإجراء مشاورات غير رسمية حول أفكار إضافية، من بينها تشديد الالتزامات البيئية على شركات الطيران الأجنبية العاملة داخل أوروبا.

وأشارت مصادر دبلوماسية إلى أن هذا المقترح، الذي طرحته في الأصل شركة “إير فرانس-كيه إل إم”، قد يوفر إيرادات إضافية، وإن كانت محدودة، لكنه يعكس توجه باريس نحو توسيع قاعدة الرسوم المفروضة على الأنشطة الاقتصادية العابرة للحدود.

وأكد حداد أن فرنسا تدعم توسيع النقاش بشأن الموارد الذاتية، معلناً أن باريس ستتقدم بمقترحات جديدة خلال الأيام المقبلة في إطار المشاورات الأوروبية الجارية.

ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن الهدف الأساسي لفرنسا يتمثل في تجنب الاختيار بين خيارين كلاهما صعب؛ إما زيادة مساهمتها المالية في ميزانية الاتحاد الأوروبي، أو القبول بخفض الدعم الزراعي الذي تستفيد منه بصورة كبيرة.

ووصف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين التحرك الفرنسي بأنه محاولة للحصول على “كل شيء”، في إشارة إلى سعي باريس للحفاظ على الدعم الأوروبي مع تجنب تحمل أعباء مالية إضافية.

في المقابل، اعتبر دبلوماسي رفيع من إحدى الدول المتحفظة تقليدياً على توسيع الموارد الذاتية للاتحاد أن المبادرة الفرنسية تمثل “خطوة تكتيكية ذكية”، موضحاً أن كثيراً من العواصم الأوروبية باتت تدرك أن استمرار الميزانية الأوروبية بالحجم المقترح لن يكون ممكناً دون إيجاد مصادر تمويل جديدة.

وفي إطار جهودها الدبلوماسية، كثفت فرنسا اتصالاتها مع عدد من الدول الأوروبية، حيث أجرى مسؤولون من محكمة الحسابات الفرنسية لقاءات في برلين ووارسو لبحث المقترحات المتعلقة بالإيرادات الجديدة.

كما تعهد ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، خلال اجتماعهما الأخير، بالعمل على إحراز تقدم في ملف الموارد الذاتية، بما في ذلك فرض ضريبة رقمية أوروبية.

إلا أن ألمانيا وعدداً من الحكومات الأخرى لا تزال تتحفظ على هذه الخطوة خشية أن تؤدي إلى ردود فعل اقتصادية وانتقامية من الولايات المتحدة، وهو ما يبقي مستقبل هذه المقترحات رهناً بالمفاوضات السياسية التي ستستمر خلال الأشهر المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى