الشرق الاوسطرئيسي

اتفاق لبنان وإسرائيل يثير عاصفة سياسية وسط اتهامات بالتفريط بالسيادة

أثار الاتفاق الإطاري الذي وقعته لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة في واشنطن موجة واسعة من الرفض داخل الساحة اللبنانية، وسط اتهامات للحكومة بتقديم تنازلات تمس السيادة الوطنية، في حين تسعى الرئاسة والقوى السياسية إلى احتواء التداعيات الداخلية بانتظار اتضاح نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي قد تحدد مستقبل الاتفاق.

وفتح الاتفاق الموقع في 26 يونيو مواجهة سياسية واسعة، تجاوزت معارضة حلفاء حزب الله التقليديين لتشمل أطرافاً سياسية من اتجاهات مختلفة، في ظل اعتراضات على ما اعتبره منتقدون اختلالاً في التوازن بين الالتزامات المفروضة على لبنان وتلك المطلوبة من إسرائيل.

ويقضي الاتفاق بأن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على ما يعرف بـ”المناطق التجريبية”، مع تفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة غير التابعة للدولة والتحقق من نزع سلاحها، قبل أن تبدأ القوات الإسرائيلية إعادة انتشار تدريجية داخل الأراضي اللبنانية.

ودافع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام عن الاتفاق، معتبرين أنه يشكل بداية لمسار يهدف إلى استعادة سيادة الدولة وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي بصورة كاملة.

غير أن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق باعتباره إنجازاً لإسرائيل زاد من حدة الانتقادات داخل لبنان، حيث رأى معارضون أن بيروت قدمت التزامات واضحة مقابل غياب ضمانات ملزمة بوقف إطلاق النار أو جدول زمني محدد للانسحاب الإسرائيلي.

ووصف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الاتفاق بأنه “إهانة وعار وتنازل عن السيادة”، معلناً رفضه الكامل له واعتباره فاقداً لأي شرعية.

كما اعتبر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن الاتفاق يمثل “اتفاق خضوع” فرض تحت ضغط أمريكي، محذراً من أنه يعيد إلى الأذهان اتفاق 17 مايو 1983 مع إسرائيل، الذي انهار لاحقاً، وقد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية.

من جهته، رأى رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الاتفاق غير متوازن ويكرس وقائع تخدم إسرائيل على حساب لبنان، محذراً من تداعياته السياسية والسيادية.

وامتدت الاعتراضات إلى زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، الذي انتقد تجاهل المفاوضين اللبنانيين لاتفاقية الهدنة الموقعة مع إسرائيل عام 1949، والتي أُعيد التأكيد عليها في اتفاق الطائف عام 1989 وخطاب القسم للرئيس جوزيف عون والبيان الوزاري للحكومة.

كما أعلن التيار الوطني الحر، أكبر الأحزاب المسيحية في لبنان، تأييده لمبدأ السلام الشامل والدائم، لكنه شدد على أن ذلك لا يمكن أن يتحقق عبر الاستجابة للمطالب الإسرائيلية أو التنازل عن الحقوق اللبنانية، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة، مع رفض أي معالجة لهذا الملف عبر صدام داخلي.

بدورها، رفضت منظمة العمل الشعبي الناصري الاتفاق، معتبرة أنه ينتقص من السيادة اللبنانية ويقيد ما وصفته بحق المقاومة.

وفي المقابل، اقتصر الدعم السياسي للاتفاق على عدد محدود من القوى، أبرزها القوات اللبنانية وحزب الكتائب والحزب الوطني الليبرالي وبعض النواب المستقلين.

واتساع دائرة المعارضين يجعل من الصعب على الرئاسة اللبنانية تصوير الرفض باعتباره مجرد حملة يقودها حزب الله أو تدعمها إيران، خصوصاً مع انضمام شخصيات وقوى سياسية لا ترتبط بتحالفات مباشرة مع الحزب.

كما يشكل ذلك تحدياً إضافياً أمام السلطة اللبنانية، إذ إن الاتفاق سيحتاج في نهاية المطاف إلى المرور عبر المؤسسات الدستورية للمصادقة عليه.

ورغم حدة السجال السياسي، أشار التقرير إلى أن الأزمة لا تزال محصورة في الإطار السياسي والإعلامي، من دون أن تتحول إلى مواجهة داخلية.

ونقل عن مصدر في الرئاسة اللبنانية قوله إن اتصالات أجريت مع مختلف القوى الرافضة للاتفاق بهدف منع انتقال الخلاف إلى الشارع أو تحوله إلى صدام سياسي أو أمني.

وأضاف المصدر أن طرفاً عربياً مؤثراً تدخل لتهدئة الأجواء، وأن هذه الجهود لقيت استجابة من القوى الأساسية، ولا سيما حركة أمل، الحليف السياسي الأبرز لحزب الله.

وأوضح أن هناك عملاً متواصلاً لاحتواء مرحلة ما بعد الاتفاق، انطلاقاً من إدراك مختلف الأطراف أن أي صدام داخلي حول ملف سلاح حزب الله قد يؤدي إلى تعميق الانقسام اللبناني ويصب في مصلحة إسرائيل.

وبحسب المصدر، فإن أحد أهداف الاتفاق كان أيضاً توجيه رسالة بأن الدولة اللبنانية تمتلك قرارها السيادي، وليست مجرد ورقة تفاوض بيد إيران في محادثاتها مع الولايات المتحدة.

وقال إن بيروت أرادت التأكيد أنها صاحبة القرار في إدارة شؤونها، وليس طهران، مشيراً إلى أن هذا التوجه يحظى بدعم من الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية.

في المقابل فإن هذا الطرح يصطدم بواقع الاتفاق نفسه، إذ إن الالتزامات المفروضة على لبنان بشأن نزع السلاح وتعزيز سيطرة الدولة واضحة ومحددة، بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي تدريجياً ومشروطاً.

وكشف المصدر أن واشنطن قدمت ضمانات بأن تنفيذ المرحلة الأولى داخل “المناطق التجريبية” سيتم تحت إشراف أمريكي، من دون أي تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، مضيفاً أن نجاح هذه التجربة قد يؤدي إلى توسيعها لاحقاً.

كما أوضح أن الحكومة اللبنانية طلبت إبقاء الملحق الأمني للاتفاق سرياً، وهو ما وافق عليه الطرفان بعد مشاورات مع وزارة الخارجية الأمريكية.

ومن أكثر البنود إثارة للجدل، ينص الاتفاق على امتناع لبنان وإسرائيل عن القيام بأي نشاط عدائي أو سلبي ضد بعضهما في المحافل السياسية والقانونية الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى