تكنولوجيارئيسي

الأمم المتحدة: الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة تتجاوز قدرة العالم على فهمه وتنظيمه

حذرت الأمم المتحدة من أن التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي بات يسبق قدرة العلماء على فهمها بشكل كامل، كما يتجاوز قدرة الحكومات على وضع الأطر التنظيمية الكفيلة بالحد من مخاطرها، مؤكدة أن العالم يقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لوضع قواعد مشتركة تحكم استخدام هذه التكنولوجيا.

وجاء التحذير في تقرير أولي أصدرته اللجنة العلمية الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع استعداد المنظمة الدولية لعقد أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في مدينة جنيف الأسبوع المقبل، بمشاركة ممثلين عن الدول الأعضاء والخبراء والشركات التقنية.

وأكد التقرير أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات هائلة لتحقيق تقدم اقتصادي وعلمي وتنموي، إلا أن السرعة غير المسبوقة لتطوره واتساع نطاق تطبيقاته يفرضان تحديات متزايدة أمام صناع القرار، في ظل غياب الضمانات الكافية لمنع إساءة استخدامه أو الحد من مخاطره المستقبلية.

وأوضح التقرير أن العالم يفتقر حتى الآن إلى الأدوات التنظيمية والعلمية القادرة على مواكبة التطور السريع لهذه التقنيات، الأمر الذي يجعل الحكومات في موقف متأخر مقارنة بسرعة الابتكار التي تقودها الشركات الكبرى.

وقالت الرئيسة المشاركة للجنة، الحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا ريسا، إن صناع السياسات بحاجة إلى أدلة علمية لاتخاذ قرارات صحيحة، إلا أن هذه الأدلة غالباً ما تصبح متاحة بعد فوات الأوان بسبب التسارع الكبير في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأضافت أن العالم لم يعد يستطيع الادعاء بعدم إدراك حجم المخاطر، معتبرة أن التقرير يمثل نقطة تحول في فهم التحديات التي تفرضها هذه التكنولوجيا على المجتمعات والحكومات.

وأشار التقرير إلى أن أكثر من مليار شخص يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي التفاعلي أسبوعياً، في وقت تتركز فيه القدرات التقنية بشكل كبير داخل الولايات المتحدة والصين، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن اتساع الفجوة التكنولوجية عالمياً.

وبحسب التقرير، تستحوذ الولايات المتحدة وحدها على نحو 75% من قدرات الحوسبة الخاصة بأفضل 500 حاسوب فائق مخصص للذكاء الاصطناعي في العالم، فيما تمتلك الصين نحو 15%، بينما تطور الشركات في البلدين معظم النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يعزز احتكار التكنولوجيا ويحد من قدرة بقية الدول على المنافسة أو الرقابة.

وحذرت اللجنة من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الجديدة، وخاصة الوكلاء الأذكياء القادرين على تنفيذ مهام معقدة بصورة شبه مستقلة، قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في أسواق العمل، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، مع احتمال تنفيذ مهام دون إشراف بشري مباشر.

كما رصد التقرير قائمة متنامية من الأضرار المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، من بينها ما وصفه بـ”السلوك المتملق”، حيث تقوم بعض الأنظمة بتعزيز قناعات المستخدمين حتى وإن كانت خاطئة، وهو ما ارتبط بعدد من الحوادث الخطيرة المتعلقة بالصحة النفسية، بما في ذلك حالات وفاة موثقة.

وأكدت ماريا ريسا أن اللجنة اعتمدت منهجاً علمياً صارماً في إعداد التقرير، يقوم على عدم تضمين أي استنتاج إلا بعد توافق علمي واسع بين الخبراء المشاركين.

وأوضحت أن اللجنة تضم 40 عالماً من 37 دولة، جرى اختيارهم من قبل الأمم المتحدة للعمل بصورة مستقلة، مؤكدة أن التزامهم ينحصر في الحقائق العلمية والأدلة وخدمة الإنسانية بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو تجارية.

ولخصت ريسا نتائج التقرير في ثلاث رسائل رئيسية، هي أن وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي لا تتباطأ، وأن القوة التكنولوجية تزداد تمركزاً في عدد محدود من الجهات، وأن السيطرة الكاملة على هذه الأنظمة ليست مضمونة.

وشددت على أنه لا يوجد أي خبير في العالم يستطيع حالياً أن يضمن بشكل مطلق أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً ستتصرف دائماً وفق ما يطلبه منها الإنسان.

من جانبه، اعتبر الرئيس المشارك للجنة، يوشوا بنجيو، أن العالم يقف أمام نقطة تحول تاريخية، لأن تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي يعني أيضاً تنامي القوة التي تمنحها هذه التكنولوجيا لمن يمتلكها.

وأوضح أن هذه القوة قد تفتح آفاقاً واسعة لتحقيق فوائد غير مسبوقة إذا أُحسن استخدامها، لكنها قد تتحول في المقابل إلى مصدر لمخاطر كبيرة إذا وقعت في أيدي جهات تسعى إلى استغلالها بصورة غير مسؤولة.

ودعا التقرير الحكومات إلى تعزيز التعاون الدولي والاستثمار في بناء القدرات العلمية والفنية، محذراً من أن كثيراً من الدول لا تمتلك حتى الآن الخبرات اللازمة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة بصورة مستقلة.

وفي السياق ذاته، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الحكومات إلى عدم تأجيل وضع قواعد دولية مشتركة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن استمرار تطور هذه التكنولوجيا دون إطار عالمي منظم سيقلل تدريجياً من قدرة الحكومات والمجتمعات على التحكم في مسارها.

وأكد غوتيريش أن رسالته إلى حكومات العالم واضحة ومباشرة: “لا تنتظروا”، في إشارة إلى ضرورة الإسراع في وضع منظومة حوكمة دولية تواكب التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح تنظيمها أكثر صعوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى