قيود الميزانية وصعود اليمين المتطرف يهددان إرث ماكرون الدفاعي مع اقتراب نهاية ولايته

غادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة في أنقرة دون حضور إعلامي لافت، في وقت يواجه فيه إرثه الدفاعي تحديات متزايدة مع اقتراب نهاية ولايته الرئاسية، وسط ضغوط مالية داخلية واحتمال وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ورغم أن ماكرون التزم الصمت في معظم قمم الحلف خلال السنوات الماضية، فإنه نجح، على مدى ما يقرب من عقد في الحكم، في إعادة تموضع فرنسا داخل الناتو، وتعزيز دورها العسكري الأوروبي، والدفع نحو تقليص الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة في المجال الدفاعي.
وقال ماكرون، في ختام القمة، إن “الأوروبيين يستثمرون أكثر فأكثر ويتخذون المزيد من الإجراءات للدفاع عن أنفسهم، وأنا أدعو إلى ذلك منذ تسع سنوات”، معتبراً أن القمة أكدت صحة الرؤية التي تبناها منذ وصوله إلى قصر الإليزيه.
وشهدت السياسة الدفاعية الفرنسية خلال ولاية ماكرون زيادة ملحوظة في الإنفاق العسكري، إلى جانب خطوات أولية لإشراك شركاء أوروبيين في المظلة النووية الفرنسية، ضمن رؤية تستهدف تعزيز الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا داخل إطار حلف الناتو.
إلا أن هذه السياسة تواجه اليوم تحديين رئيسيين، يتمثل الأول في القيود المالية التي تحد من قدرة باريس على زيادة إنفاقها الدفاعي، فيما يتمثل الثاني في احتمال وصول زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان إلى الرئاسة، وهي التي أعلنت معارضتها لعدد من الركائز الأساسية التي قامت عليها استراتيجية ماكرون.
ويرى مدير مركز الدراسات الأمنية في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إيلي تيننباوم أن التحول نحو تعزيز البعد الأوروبي في الدفاع قد تحقق بالفعل، لكنه أكد أن الرئيس المقبل سيكون مطالباً بحسم ما إذا كان سيواصل هذا المسار أو يتراجع عنه، معتبراً أن هذا الملف يمثل مصدر القلق الأكبر بالنسبة لحلفاء فرنسا الأوروبيين.
ومع دخول ولايته الرئاسية الأخيرة عامها الأخير، يستعد ماكرون لسلسلة من المحطات الختامية، تشمل آخر مشاركة له في قمة الناتو، وآخر خطاب له أمام القوات المسلحة الفرنسية في 13 يوليو، إضافة إلى استضافة اجتماع لتحالف الدول الداعمة لأوكرانيا عشية الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي، قبل حضوره العرض العسكري الأخير في 14 يوليو.
وقد مثلت الحرب الروسية الأوكرانية نقطة تحول في سياسة ماكرون تجاه الحلف الأطلسي، بعدما كان قد وصف الناتو عام 2019 بأنه “ميت سريرياً”.
فمنذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، عززت فرنسا انتشارها العسكري على الحدود الشرقية للحلف، وتولت قيادة قوات الناتو في رومانيا، وأعلنت استعدادها لنشر قوات في فنلندا، بالتزامن مع انسحابها التدريجي من عدد من دول الساحل الأفريقي.
كما اضطلعت باريس بدور متزايد في تعويض جزء من القدرات العسكرية التي أعادت الولايات المتحدة نشرها خارج أوروبا، بما في ذلك توفير حاملة طائرات لتلبية احتياجات الحلف.
وقال ماكرون إن فرنسا وحدها لبّت نحو 80% من الاحتياجات البحرية التي نتجت عن إعادة تموضع القوات الأميركية.
غير أن مستقبل هذه السياسة قد يتغير بشكل جذري إذا وصلت مارين لوبان إلى الرئاسة. وكانت زعيمة حزب التجمع الوطني قد أكدت هذا الأسبوع عزمها خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، رغم إدانتها في قضية اختلاس.
وأعلنت لوبان في مايو الماضي أنها ستسحب فرنسا من القيادة العسكرية المشتركة لحلف الناتو إذا انتخبت رئيسة، مستلهمة القرار الذي اتخذه الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول عام 1966.
كما دعت إلى إعادة توجيه أولويات الحلف نحو مكافحة ما وصفته بـ”التطرف الإسلامي”، من دون تقديم التزامات بشأن استمرار انتشار القوات الفرنسية على الجناح الشرقي للناتو.
وبعيداً عن المشهد السياسي، تواجه فرنسا تحدياً مالياً متزايداً في تمويل طموحاتها الدفاعية. وتخطط باريس لرفع إنفاقها العسكري إلى ما يزيد قليلاً على 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، وهي نسبة تبقى أقل بكثير من الهدف الذي حدده الناتو والبالغ 3.5% بحلول عام 2035.
وتزداد صعوبة تحقيق هذه الزيادة في ظل تجاوز الدين العام الفرنسي 115% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يفرض ضغوطاً كبيرة على الموازنة العامة.
وفي المقابل، تواصل ألمانيا تسريع وتيرة إنفاقها العسكري، إذ من المتوقع أن يصل إلى 109.7 مليار يورو العام المقبل، مقارنة مع نحو 63.3 مليار يورو متوقعة لفرنسا بحلول عام 2027.
وحذر رئيس أركان الجيش الفرنسي الجنرال فابيان ماندون من احتمال فقدان فرنسا موقعها كأبرز قوة عسكرية في أوروبا لصالح ألمانيا إذا استمرت الفجوة في الإنفاق العسكري.
كما بدأت الضغوط المالية تؤثر على بعض المشاريع الدفاعية التي أعلنها ماكرون. ففي مارس الماضي، كشف عن خطة لزيادة عدد الرؤوس النووية الفرنسية، إلا أن نقص التمويل حال دون توسيع الأسطولين البحري والجوي خلال العقد الماضي.
وقال الباحث في صندوق مارشال الألماني مارتن كوينسيز إن فرنسا لم تحسم بعد كيفية تعزيز قدراتها العسكرية بصورة حقيقية، محذراً من خطر تحولها إلى “جيش صغير يؤدي جميع المهام ولكن بإمكانات محدودة”.
وأضاف أن الحديث المتكرر عن اقتصاد الحرب لم يواكبه حتى الآن استثمار مالي كافٍ لتحقيق الأهداف المعلنة، معتبراً أن الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرات الفعلية لا تزال قائمة.



