تصاعد التوتر في الشرق الأوسط يدفع أسعار الغاز الأوروبي إلى أعلى مستوياتها في أربعة أشهر

ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أربعة أشهر، مدفوعة بتجدد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، وسط تحذيرات من أن المخاطر الجيوسياسية قد تتحول إلى عامل دائم في تسعير أسواق الطاقة العالمية.
وسجل مؤشر الغاز الأوروبي القياسي “TTF” الهولندي ارتفاعاً تجاوز خلاله مستوى 60 يورو لكل ميغاواط/ساعة، قبل أن يستقر عند نحو 59 يورو، وهو أعلى مستوى يبلغه منذ منتصف مارس الماضي، بعدما شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً متواصلاً شمل استمرار الضربات الأمريكية على إيران وردوداً إيرانية استهدفت حلفاء واشنطن وناقلات نفط في الخليج العربي.
ويأتي هذا الارتفاع بعد فترة من الاستقرار النسبي أعقبت وقف إطلاق النار في يونيو الماضي، حين بقيت أسعار الغاز دون مستوى 50 يورو لكل ميغاواط/ساعة، نتيجة إحجام المتعاملين عن اتخاذ رهانات كبيرة في ظل حالة الغموض التي أحاطت بمسار الصراع.
وتعكس الأسعار الحالية زيادة تقارب 50% مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر على تنامي المخاوف من تعرض إمدادات الغاز العالمية لضغوط متزايدة، بالتزامن مع انخفاض مستويات التخزين الأوروبية وارتفاع درجات الحرارة في آسيا، وهو ما يتوقع أن يؤدي إلى زيادة استهلاك الغاز لتشغيل أجهزة التكييف وتلبية الطلب المتنامي على الكهرباء.
ويخشى متعاملون في أسواق الطاقة من أن يتحول عدم الاستقرار في منطقة الخليج إلى عنصر دائم في تسعير الغاز الطبيعي المسال، خاصة مع استمرار التهديدات التي تطال حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية.
كما زادت المخاوف بعد الحديث عن فرض رسوم أو قيود على حركة السفن في المنطقة، إلى جانب إعلان جماعة الحوثي في اليمن عزمها فرض حصار على مضيق باب المندب، الذي يمثل بدوره ممراً استراتيجياً لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
ويرى محللون أن التهديد المتزامن للممرين البحريين يضاعف المخاطر أمام شركات الشحن ومستوردي الغاز، ويزيد تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
وأشار خبراء إلى أن التقلبات الأخيرة تعكس تحولاً في نظرة المستثمرين إلى المخاطر، إذ لم تعد الاضطرابات الأمنية في الشرق الأوسط تُعامل كأحداث مؤقتة، بل أصبحت تُدرج بصورة متزايدة ضمن العوامل الأساسية المؤثرة في تسعير الغاز والنفط.
وأكد محللون في قطاع الطاقة أن تكرار التهديدات بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه يقلل من موثوقية هذا الممر الحيوي لنقل الغاز الطبيعي المسال، ويدفع الأسواق إلى إضافة علاوة مخاطر دائمة على الأسعار تحسباً لأي انقطاع مفاجئ في الإمدادات.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يزيد الضغوط على الدول الأوروبية التي لا تزال تعمل على إعادة بناء احتياطياتها من الغاز استعداداً لفصل الشتاء المقبل، في وقت تتنافس فيه مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وتعتمد أوروبا بصورة متزايدة على واردات الغاز المسال منذ تراجع الإمدادات الروسية، ما يجعل أي اضطراب في طرق الشحن العالمية أو ارتفاع في الطلب الآسيوي عاملاً مؤثراً بشكل مباشر في الأسعار الأوروبية.
ويرى خبراء أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط، إلى جانب ارتفاع الطلب العالمي وتراجع المخزونات، قد يبقي أسعار الغاز عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال تسجيل زيادات إضافية إذا تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب لأي تعطيل فعلي.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن أسواق الطاقة العالمية باتت أكثر حساسية للأزمات الجيوسياسية، وأن المستثمرين أصبحوا يتعاملون مع مخاطر الشرق الأوسط باعتبارها عاملاً طويل الأمد، الأمر الذي يرفع من احتمالات استمرار التقلبات في أسعار الغاز والنفط، ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة حول العالم.



