العقوبات الأمريكية على إيران تضيق الخناق على البنوك والتجارة التركية

معادلة اقتصادية معقدة
تضع الإجراءات الأمريكية الجديدة ضد إيران تركيا أمام تحديات استراتيجية واقتصادية متشابكة، حيث يتقاطع الاعتماد المتبادل بين أنقرة وطهران في قطاعات الطاقة والتجارة مع تشديد إدارة الرئيس دونالد ترامب على ملاحقة الجهات التي تساعد طهران على تجاوز الحظر. ويؤكد الكاتب الإسرائيلي أرئيل فيغلين، في مقال نشرته صحيفة “معاريف”، أن هذه العقوبات لا تقتصر على استهداف النظام الإيراني فحسب، بل تمتد لتشمل الدول والبنوك والشركات التي تواصل التعامل معها، مما يخلق بيئة من عدم اليقين للمستثمرين والمؤسسات المالية.
سياسة “عدم التسريب” المالية
كشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن توجه واشنطن لتطبيق سياسة صارمة تسمى “عدم التسريب”، تهدف إلى قطع وصول أي جهة تساعد طهران في تحويل الأموال أو بيع الطاقة إلى النظام المالي العالمي القائم على الدولار. وتشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين تركيا وإيران بلغ نحو 5.5 مليار دولار خلال عام 2025، فيما شكلت صادرات الغاز الإيراني نحو 7.6 مليار متر مكعب العام الماضي، لتمثل قرابة 13 بالمئة من إجمالي واردات أنقرة من هذا المورد الحيوي. ويعاني الاقتصاد التركي بالفعل من ضغوط تضخمية، مما يجعل أي اضطراب في تدفقات الغاز مرشحا لرفع تكاليف الإنتاج والاستهلاك محلياً.
آليات الالتفاف السابقة
لم تكن العلاقة الاقتصادية مجرد تبادل تجاري عادي، بل استخدمت تركيا كقناة رئيسية للالتفاف على العقوبات الأمريكية لأكثر من عقد. وكشفت لوائح اتهام أمريكية عن قيام بنك “خلق” المملوك للدولة بإيداع عائدات النفط والغاز الإيراني في حسابات محلية، قبل تحويل جزء منها عبر شركات صرافة وكيانات وهمية إلى ذهب وأموال نقدية. وبعد تشديد القيود على تجارة الذهب، لجأت الآلية نفسها إلى معاملات مرتبطة بالمواد الغذائية والأدوية لإضفاء طابع إنساني على عمليات تحويل الأموال، والتي قدرت السلطات الأمريكية قيمتها بنحو 20 مليار دولار. وقد فرضت وزارة الخزانة عقوبات متعددة على كيانات تركية بدعوى ارتباطها بشبكات مالية إيرانية.
تضييق هامش المناورة
كانت أنقرة سابقاً تدير معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع طهران وانتقاد السياسات الأمريكية، مع بقائها عضواً في حلف شمال الأطلسي ومتمتعة بإمكانية الوصول للدولار. غير أن السياسة الحالية تسعى لجعل استمرار هذا التعامل أكثر تكلفة ومخاطرة. قد تواجه البنوك وشركات الشحن التركية خطر فقدان الوصول للنظام المالي الأمريكي، مما يضع الشركات الكبرى أمام مفاضلة صعبة بين تجارتها الإيرانية وتجنب العقوبات. ولا يحتاج ترامب إلى استخدام القوة العسكرية، بل يسعى إلى جعل التعامل مع طهران معقداً لدرجة دفع المؤسسات التركية لاتخاذ قرارات مستقلة بالتوقف.
سؤال سياسي حساس
في ظل هذا الضغط، قد يضطر الرئيس رجب طيب أردوغان لإعادة تقييم العلاقة الاقتصادية مع طهران بعد سنوات شكلت فيها الحدود التركية منفذاً حيوياً للتجارة الإيرانية. يطرح هذا المشهد سؤالاً سياسياً واقتصادياً حساساً حول مدى استعداد أنقرة لتحمل المخاطر الناجمة عن الحفاظ على علاقاتها مع إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية المتصاعدة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.


