رئيسيمال و أعمال

 أوروبا تبحث عن طريق للخروج من هيمنة الدولار: خطة طموحة تواجه عقبات اقتصادية وسياسية معقدة

تعمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي على صياغة استراتيجية مالية جديدة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، وسط مخاوف متزايدة من إمكانية استخدام النظام المالي العالمي كسلاح سياسي في الصراعات الدولية.

غير أن هذه الخطة الطموحة، رغم أهميتها الاستراتيجية، تواجه تحديات كبيرة تجعل نجاحها أمراً بالغ الصعوبة في المدى القريب.

وجاءت هذه التحركات في ظل تزايد القلق داخل أوروبا من احتمال استخدام الولايات المتحدة نفوذها المالي العالمي للضغط على خصومها أو حتى على شركائها.

ويستند هذا القلق إلى سجل واشنطن في استخدام العقوبات المالية كأداة رئيسية في سياستها الخارجية، وهو ما اعتبره مسؤولون أوروبيون تهديداً محتملاً للاستقلال الاقتصادي الأوروبي.

وفي هذا السياق، أعدت المفوضية الأوروبية مذكرة داخلية تدعو إلى إعادة تقييم شاملة لدور اليورو في النظام المالي العالمي، مؤكدة أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة تجعل تعزيز مكانة العملة الأوروبية مسألة دفاعية وليست مجرد طموح اقتصادي طويل الأمد.

وتتضمن الخطة الأوروبية عدة محاور رئيسية، أبرزها تعزيز التكامل المالي داخل الاتحاد الأوروبي، وزيادة جاذبية اليورو للمستثمرين الدوليين، وتوسيع استخدامه في التجارة العالمية، إضافة إلى تطوير أدوات مالية وتقنية جديدة لمنافسة الهيمنة النقدية الأمريكية.

ويرى المسؤولون الأوروبيون أن الخطوة الأولى تتمثل في تقوية الاقتصاد الأوروبي نفسه، من خلال رفع الإنتاجية وتعزيز تكامل الأسواق المالية.

لكن هذه الجهود تواجه عقبات داخلية، حيث تختلف الدول الأعضاء بشأن مدى التنازل عن السيادة الاقتصادية لصالح سياسات مالية موحدة، خاصة في قضايا مثل ضمان الودائع المصرفية المشتركة أو آليات إنقاذ البنوك المتعثرة.

كما تدرس المفوضية زيادة إصدار السندات المشتركة للاتحاد الأوروبي لجذب المستثمرين الدوليين إلى اليورو، خاصة بعد انتهاء برنامج التعافي الاقتصادي من جائحة كورونا.

وتواجه هذه الخطوة معارضة من دول أوروبية محافظة مالياً مثل ألمانيا وهولندا، التي ترفض توسيع الاقتراض المشترك.

وفي جانب آخر، تسعى أوروبا إلى دخول مجال العملات الرقمية بقوة، عبر تشجيع تطوير العملات المستقرة المرتبطة باليورو، في محاولة لمنافسة العملات الرقمية المرتبطة بالدولار التي تهيمن حالياً على هذا السوق بنسبة تتجاوز 90%.

ويعتبر بعض المسؤولين الأوروبيين أن عدم تطوير أدوات رقمية مالية أوروبية قوية قد يهدد السيادة النقدية للاتحاد في المستقبل.

كما تواصل المؤسسات الأوروبية العمل على مشروع اليورو الرقمي، الذي يمكن أن يشكل أداة مهمة لتعزيز استخدام العملة الأوروبية في المعاملات الدولية.

إلا أن المشروع يواجه خلافات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يخشى بعض المشرعين من تأثيراته على النظام المصرفي التقليدي وعلى الخصوصية المالية للمواطنين.

ومن بين الخطط المطروحة أيضاً زيادة استخدام اليورو في العقود التجارية الدولية، خاصة في قطاعات الطاقة والمواد الخام والنقل الجوي والدفاع. لكن هذه الخطوة تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في أن الأسواق العالمية اعتادت على استخدام الدولار في هذه القطاعات لعقود طويلة.

ويرى محللون أن أكبر تحدٍ أمام أوروبا لا يتمثل فقط في الخلافات الداخلية، بل في طبيعة النظام المالي العالمي نفسه، حيث يتمتع الدولار بمكانة راسخة مدعومة بحجم الاقتصاد الأمريكي وقوة مؤسساته المالية والعسكرية والسياسية.

كما أن العديد من الدول خارج أوروبا تفضل استخدام الدولار بسبب استقراره وسيولته العالية وسهولة التعامل به في الأسواق العالمية، ما يجعل التحول إلى اليورو عملية طويلة ومعقدة.

وفي ظل هذه المعطيات، يرى خبراء أن أوروبا قد تتمكن من تعزيز دور اليورو تدريجياً، لكنها لن تكون قادرة على إنهاء هيمنة الدولار في المستقبل القريب.

ومع ذلك، يبدو أن الاتحاد الأوروبي عازم على المضي قدماً في هذه الاستراتيجية، في محاولة لتعزيز استقلاله المالي وتقليل تعرضه للضغوط الجيوسياسية المرتبطة بالنظام النقدي العالمي الحالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى