نقاشات في أوروبا حول مستقبل الردع النووي في مواجهة ترامب

تسارعت داخل أوروبا نقاشات حساسة حول مستقبل الردع النووي في القارة، بعدما أثارت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك تصريحاته بشأن غرينلاند وتشكيكه المتكرر في التزامات الدفاع المشترك داخل حلف الناتو، مخاوف عميقة بشأن موثوقية المظلة النووية الأمريكية التي اعتمدت عليها أوروبا لعقود.
ووفق مسؤولين أوروبيين، بدأت عدة دول أوروبية، من بينها السويد والنرويج وألمانيا وهولندا، إجراء محادثات علنية وغير علنية حول إمكانية تطوير إطار ردع نووي أوروبي موازٍ أو مكمل للردع الأمريكي، في خطوة تعكس تغيراً جذرياً في التفكير الأمني الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة.
وجاءت هذه التحركات في وقت يشهد فيه النظام العالمي للحد من التسلح تراجعاً واضحاً، خاصة بعد انتهاء معاهدة “ستارت الجديدة” بين الولايات المتحدة وروسيا، بالتزامن مع توسع الترسانات النووية الروسية والصينية، وتصاعد التهديدات باستخدام السلاح النووي في سياق الحرب الأوكرانية.
وقال مسؤولون أوروبيون إن الهدف لا يتمثل في استبدال المظلة النووية الأمريكية بالكامل، بل في إنشاء طبقة إضافية من الضمانات الأمنية الأوروبية، خصوصاً في حال تغيرت السياسة الأمريكية بشكل مفاجئ أو تقلص التزام واشنطن بالدفاع عن أوروبا.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار بشكل أساسي نحو فرنسا، التي تمتلك ترسانة نووية مستقلة بالكامل عن الولايات المتحدة، إضافة إلى بريطانيا التي تمتلك قدرات نووية خاصة بها رغم اعتمادها جزئياً على التكنولوجيا الأمريكية.
ويرى بعض الخبراء أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في بناء مظلة ردع أوروبية تعتمد أساساً على القدرات النووية الفرنسية، مع مساهمة بريطانية محتملة.
وبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالفعل مشاورات مع عدة دول أوروبية، بينها ألمانيا والسويد وبولندا، حول إمكانية توسيع دور الردع النووي الفرنسي ليشمل حماية أوسع للقارة الأوروبية. ومن المتوقع أن يعلن ماكرون قريباً مواقف أكثر وضوحاً حول العقيدة النووية الفرنسية ودورها في الأمن الأوروبي.
ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن إحدى الخطوات العملية المحتملة قد تشمل نشر طائرات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية في دول أوروبية أخرى، كإشارة على التزام باريس بحماية القارة.
لكن هذه الخطط تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية الترسانة النووية الفرنسية مقارنة بالترسانتين الأمريكية والروسية.
فوفق تقديرات دولية، تمتلك فرنسا نحو 290 رأساً نووياً فقط، مقابل أكثر من 3700 رأس نووي للولايات المتحدة وأكثر من 4300 رأس لروسيا. كما تمتلك بريطانيا نحو 225 رأساً نووياً.
كما تختلف طبيعة الترسانة الفرنسية والبريطانية عن الترسانتين الأمريكية والروسية، حيث تركز باريس على الردع البحري والجوي، بينما تعتمد لندن بشكل أساسي على الغواصات النووية، ولا تمتلك أي منهما أسلحة نووية تكتيكية صغيرة، ما قد يحد من قدرتهما على الرد على هجمات محدودة دون تصعيد شامل.
وتبرز أيضاً عقبات مالية وتقنية كبيرة، حيث إن توسيع الترسانات النووية أو تطوير برامج نووية جديدة سيتطلب استثمارات ضخمة تستمر لعقود، في وقت تعاني فيه ميزانيات الدفاع الأوروبية ضغوطاً متزايدة.
كما أن أي توجه نحو انتشار نووي أوسع داخل أوروبا قد يصطدم بالتزامات دول القارة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، إضافة إلى مخاوف سياسية داخلية لدى بعض الحكومات الأوروبية.
ويحذر خبراء من أن التركيز المفرط على الردع النووي قد يشتت جهود أوروبا في تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية، التي لا تزال تشكل العمود الفقري للأمن الأوروبي.
ورغم هذه التحديات، يبدو أن النقاش حول الردع النووي الأوروبي لن يتراجع قريباً، في ظل شعور متزايد داخل العواصم الأوروبية بأن البيئة الأمنية العالمية دخلت مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم شاملة لاستراتيجيات الدفاع التقليدية والنووية على حد سواء.



