
يواجه قطاع الثروة الحيوانية في قبرص أزمة متفاقمة مع تفشي مرض الحمى القلاعية، وسط خلاف حاد بين شطري الجزيرة حول آليات المواجهة، ما يهدد واحدة من أهم الصناعات الغذائية في البلاد، وهي جبن الحلوم.
وتسعى السلطات في جنوب قبرص، المعترف بها دولياً وعضو الاتحاد الأوروبي، إلى احتواء المرض عبر تطبيق إجراءات صارمة تشمل إعدام كامل القطعان في حال إصابة حيوان واحد فقط، التزاماً بالقوانين الأوروبية.
في المقابل، يعتمد شمال الجزيرة الخاضع للسيطرة التركية على استراتيجية مختلفة تقوم على التطعيم، دون اللجوء إلى الإعدام الجماعي، ما خلق فجوة حادة في أساليب التعامل مع الوباء.
ويرى خبراء ومزارعون أن هذا التباين يعرقل جهود احتواء المرض، خاصة أن الفيروس شديد العدوى ولا يعترف بالحدود، بما في ذلك “الخط الأخضر” الذي يقسم الجزيرة منذ عام 1974.
وأكد مسؤولون زراعيون أن التنسيق بين الجانبين يمثل شرطاً أساسياً للسيطرة على التفشي، محذرين من أن استمرار الانقسام قد يؤدي إلى انتشار أوسع للمرض.
وقال بانيكوس تشامباس، رئيس شركة قبرص التعاونية، إن الجزيرة “كيان واحد”، داعياً إلى توحيد الإجراءات، مشدداً على أن البيئة الطبيعية المشتركة تجعل من المستحيل عزل تأثير المرض بين الشمال والجنوب.
ويهدد هذا الوضع قطاع الثروة الحيوانية بشكل مباشر، إذ أصاب المرض حتى الآن نحو 5.5% من الحيوانات في جنوب قبرص، بعد أن ظهر أولاً في الشمال في ديسمبر الماضي وانتقل لاحقاً إلى الجنوب في فبراير.
وتكمن خطورة الأزمة في انعكاسها المباشر على صناعة جبن الحلوم، التي تعد ثاني أكبر منتج تصديري للبلاد، حيث يبلغ إنتاجها السنوي أكثر من 45 ألف طن، يتم تصدير نحو 42 ألف طن منها بقيمة تصل إلى 345 مليون يورو.
وتعتمد هذه الصناعة بشكل أساسي على حليب الأغنام والماعز، الذي يمثل العمود الفقري للإنتاج، ما يجعل أي تراجع في أعداد الحيوانات تهديداً مباشراً للإمدادات.
وأشار ميخاليس كولوروس، ممثل جمعية صانعي الجبن القبرصية، إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في عمليات الإعدام الجماعي، محذراً من أن فقدان أعداد كبيرة من الحيوانات سيؤدي حتماً إلى تراجع الإنتاج.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه القطاع أصلاً من نقص في حليب الأغنام والماعز، ما دفع بعض المنتجين إلى استخدام حليب الأبقار لتلبية الطلب، رغم أن ذلك لا يتماشى بالكامل مع معايير التسمية المحمية للمنشأ.
ويؤكد خبراء أن استمرار المرض أو توسع نطاق الإعدام قد يؤدي إلى أزمة إنتاج حادة، تهدد استقرار السوق وتضعف القدرة التصديرية للبلاد.
في هذا السياق، طلبت الحكومة القبرصية من بروكسل تخفيف شروط الإعدام، نظراً لعدم تطبيقها في شمال الجزيرة، إلا أن المفوضية الأوروبية رفضت الطلب، مؤكدة أن الإعدام يبقى الخيار الوحيد لاحتواء المرض.
وقال مفوض رعاية الحيوان أوليفر فارهيلي إن عدم اتخاذ إجراءات صارمة قد يؤدي إلى إصابة كامل الجزيرة، ما يعني خسارة شاملة للثروة الحيوانية.
في المقابل، يرى مسؤولون في الشمال أن التطعيم كافٍ للسيطرة على المرض، مشيرين إلى أنهم تبادلوا المعلومات مع الجنوب، وداعين إلى تعاون بعيداً عن الخلافات السياسية.
ورغم تصريحات الجانبين حول الرغبة في التنسيق، يتبادل الطرفان الاتهامات بشأن عرقلة التعاون، ما يعكس استمرار الانقسام السياسي في التأثير على إدارة الأزمة الصحية.
كما حاول الاتحاد الأوروبي التأثير على الوضع في الشمال عبر تقديم مساعدات مالية وبرامج دعم، إضافة إلى إرسال نحو 500 ألف جرعة لقاح، إلا أن ذلك لم ينجح في توحيد الاستجابة.
في غضون ذلك، صعّد المزارعون في الجنوب احتجاجاتهم، حيث خرجوا في تظاهرات أمام القصر الرئاسي، مطالبين بوقف إعدام الحيوانات السليمة، واصفين هذه الإجراءات بأنها “جريمة اقتصادية وأخلاقية”.
ويحذر خبراء من أن استمرار الخلاف بين الشمال والجنوب، دون تنسيق فعلي، قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، ليس فقط على مستوى الصحة الحيوانية، بل أيضاً على مستوى الاقتصاد الوطني.
وفي ظل اعتماد قطاع واسع من الاقتصاد القبرصي على صناعة الحلوم، فإن أي اضطراب طويل الأمد قد تكون له تداعيات تتجاوز الزراعة، لتشمل التجارة والصادرات.
وتسلط هذه الأزمة الضوء على هشاشة التعاون بين شطري الجزيرة، حيث يتقاطع الخلاف السياسي مع أزمة صحية واقتصادية، ما يعقد جهود الاحتواء ويزيد من المخاطر المستقبلية.
ومع استمرار انتشار المرض، يبقى مستقبل قطاع الحلوم في قبرص رهناً بقدرة الأطراف على تجاوز الانقسام وتبني استراتيجية موحدة، قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة شاملة تهدد أحد أبرز رموز الاقتصاد القبرصي.



