رومين راديف يحقق فوزاً ساحقاً في بلغاريا ويقلب المشهد السياسي التقليدي

حقق رومين راديف فوزاً كاسحاً في الانتخابات البرلمانية في بلغاريا، في نتيجة تعكس تحولاً كبيراً في المزاج السياسي داخل البلاد، وتراجعاً حاداً لنفوذ الأحزاب التقليدية التي هيمنت على المشهد لسنوات.
وأظهرت النتائج الأولية، بعد فرز نحو 78% من الأصوات، حصول حزب “بلغاريا التقدمية” الذي يقوده راديف على حوالي 44% من الأصوات، ما يضعه على مسار تحقيق أغلبية مريحة، فيما حلّ ائتلاف ليبرالي مؤيد للاتحاد الأوروبي في المرتبة الثانية بنسبة تقارب 14%.
ومثّل هذا الفوز ضربة قوية للأحزاب التقليدية، وعلى رأسها حزب جيرب بزعامة بويكو بوريسوف، الذي تراجع إلى نحو 13%، إضافة إلى حزب دي بي إس المرتبط برجل الأعمال ديليان بيفسكي، والذي حصل على نحو 6% فقط.
وجاءت هذه الانتخابات، وهي الثامنة خلال خمس سنوات، في سياق حالة من عدم الاستقرار السياسي المزمن، حيث عانت البلاد من أزمات حكومية متكررة وتحالفات هشة، ما مهّد الطريق أمام صعود راديف كبديل سياسي.
وركز راديف خلال حملته على مهاجمة ما وصفه بـ”دولة المافيا” التي تسيطر عليها شبكات الأوليغارشية، متهماً الأحزاب التقليدية بأنها السبب الرئيسي في تفشي الفساد وتآكل مؤسسات الدولة.
وأكد في تصريحاته عقب إعلان النتائج أن الانتخابات تمثل “انتصاراً للأمل على انعدام الثقة، وللحرية على الخوف”، مشيراً إلى أن المشاركة الواسعة في التصويت تعكس رغبة الناخبين في التغيير.
وأوضح أن هذه النتيجة ليست سوى “الخطوة الأولى” نحو إصلاح شامل، في ظل استمرار مستويات مرتفعة من عدم الثقة في النظام السياسي.
وألمح راديف إلى إمكانية التعاون مع القوى الإصلاحية المؤيدة لبروكسل، خاصة في ملف إصلاح القضاء، الذي يُنظر إليه كأحد أبرز مواطن الخلل في الدولة البلغارية.
وبنى راديف شعبيته على خطاب مناهض للفساد، مستفيداً من خبرته كقائد سابق للقوات الجوية، ومن صورته كسياسي مستقل عن شبكات النفوذ التقليدية.
في المقابل، يواجه انتقادات من خصومه بسبب مواقفه التي يُنظر إليها على أنها متقاربة مع روسيا، خاصة في ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا والعلاقات مع موسكو.
ودعا راديف إلى تبني نهج دبلوماسي تجاه روسيا، مؤكداً أن الحوار معها ضروري لتحقيق الاستقرار في أوروبا، وكذلك لضمان أمن الطاقة وتعزيز القدرة التنافسية الصناعية.
كما أعرب عن رفضه لإرسال أسلحة إلى أوكرانيا، ودعا إلى البحث عن تسوية سياسية، في مواقف أثارت جدلاً داخل الأوساط الأوروبية.
وانتقد أيضاً خطط انضمام بلغاريا إلى منطقة اليورو، معتبراً أن اعتماد العملة الأوروبية قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد المحلي.
ورغم هذه المواقف، أكد راديف التزام بلاده بمسارها الأوروبي، مشيراً إلى ضرورة اعتماد “براغماتية أكبر” داخل الاتحاد الأوروبي، دون تقديم تفاصيل محددة حول التغييرات المقترحة.
ويرى مراقبون أن فوزه يعكس تزايد التيارات الشعبوية والبراغماتية في أوروبا الشرقية، في ظل تنامي الاستياء من النخب السياسية التقليدية.
في المقابل، تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن راديف لا يمتلك نفس القدرة أو الرغبة في إحداث تغييرات جذرية في سياسات الاتحاد الأوروبي، مقارنة بزعماء آخرين في المنطقة.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في بلغاريا، مع توقعات بإعادة تشكيل موازين القوى داخل البرلمان، واحتمالات بناء تحالفات جديدة.
وتعكس الانتخابات أيضاً تحولاً أوسع في المشهد الأوروبي، حيث تتصاعد الأصوات الداعية إلى مراجعة السياسات الاقتصادية والخارجية، في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة.
وتضع هذه التطورات بلغاريا أمام اختبار صعب بين الحفاظ على التزاماتها الأوروبية، وبين الاستجابة للضغوط الداخلية التي دفعت إلى هذا التحول السياسي الكبير.



