قادة أوروبا بعد أوربان: خلافات عميقة تطفو رغم أجواء التفاؤل في قمة قبرص

أظهرت اجتماعات الاتحاد الأوروبي في قبرص تحوّلاً لافتاً في المزاج السياسي داخل القارة، حيث سادت أجواء من التفاؤل بعد غياب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، غير أن النقاشات سرعان ما كشفت عن انقسامات عميقة بين الدول الأعضاء حول قضايا محورية، من بينها الدفاع والطاقة والميزانية وتوسيع الاتحاد.
وجاءت القمة غير الرسمية لقادة الاتحاد الأوروبي وسط توقعات بإمكانية تجاوز الخلافات السابقة، التي كثيراً ما نُسبت إلى مواقف أوربان خلال السنوات الماضية، إلا أن مجريات النقاش أظهرت أن التباينات داخل التكتل أعمق من أن تُختزل في شخصية واحدة.
وأكدت رئيسة وزراء إستونيا أن أوربان كان “كبش فداء” سهّل على القادة تجنب مواجهة خلافاتهم الحقيقية، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة ستفرض على الدول الأعضاء مزيداً من الشفافية والصراحة في طرح مواقفها.
وبرز أول اختبار حقيقي للوحدة الأوروبية في ملف أوكرانيا، حيث انقسم القادة بين مؤيد لتسريع انضمام كييف إلى الاتحاد، وآخرين يرون أن ذلك غير واقعي في المدى القريب.
وأكد رئيس الوزراء الكرواتي أن عملية الانضمام تتطلب سنوات طويلة من المفاوضات المعقدة، ما يعكس تبايناً في الرؤى حول مستقبل التوسع الأوروبي.
في ملف الطاقة، ناقش القادة تداعيات الأزمة العالمية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، بما في ذلك نقص إمدادات الوقود وارتفاع الأسعار، إلا أنهم لم يتمكنوا من التوصل إلى إجراءات فورية، وقرروا تأجيل القرارات إلى حين تقديم مقترحات أكثر تفصيلاً من وزراء المالية خلال الأسابيع المقبلة.
وتعكس هذه الخطوة صعوبة التوافق بين الدول الأعضاء حول كيفية التعامل مع الأزمة، خاصة في ظل اختلاف مستويات الاعتماد على الطاقة الخارجية وتباين الأولويات الاقتصادية.
وامتد الخلاف إلى ملف الميزانية الأوروبية طويلة الأجل، التي تبلغ قيمتها نحو 1.8 تريليون يورو، حيث دعت بعض الدول، مثل هولندا وألمانيا، إلى تقليص حجم الإنفاق، بينما طالبت دول أخرى، مثل بولندا، بزيادة الموارد لدعم السياسات المشتركة.
وحذرت رئيسة المفوضية الأوروبية من أن تقليص الميزانية سيؤدي إلى إضعاف دور أوروبا في وقت تشتد فيه الحاجة إلى تعزيز قدراتها، مؤكدة أن الخيار ينحصر بين زيادة المساهمات الوطنية أو تقليص الإنفاق، في معادلة تعكس صعوبة التوفيق بين المصالح المختلفة.
ووصفت رئيسة الوزراء الإيطالية المفاوضات بأنها “صعبة للغاية”، في إشارة إلى حجم التباينات بين الدول الأعضاء، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد وأولويات الإنفاق.
وتزامن ذلك مع نقاشات حول سداد أموال خطة التعافي الأوروبية، حيث اختلف القادة بشأن توقيت بدء السداد وآلياته، ما أضاف بعداً جديداً للخلافات المالية داخل الاتحاد.
ورغم هذه التباينات، أبدى بعض القادة تفاؤلاً بإمكانية التوصل إلى توافق في المستقبل، مستفيدين من غياب أوربان الذي كان يُنظر إليه على أنه معرقل رئيسي للقرارات الجماعية.
ووصف رئيس الوزراء البولندي الوضع بأنه “ارتياح كبير”، في إشارة إلى غياب شخصية كانت تُتهم بتقويض وحدة التكتل، خاصة بسبب علاقاتها الوثيقة مع فلاديمير بوتين.
غير أن هذا التفاؤل بدا مؤقتاً، حيث كشفت المناقشات أن الخلافات البنيوية بين الدول الأعضاء لا تزال قائمة، وأن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الاتحاد على إدارة هذه التباينات بشكل فعّال.
وتشير المعطيات إلى أن القمة غير الرسمية لم تكن مخصصة لاتخاذ قرارات نهائية، بل لتمهيد الطريق أمام قمة رسمية مرتقبة في يونيو، حيث يُتوقع أن تُحسم بعض الملفات العالقة.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على تماسكه في ظل الضغوط الداخلية والخارجية، خاصة مع تصاعد التحديات الجيوسياسية والاقتصادية.
وتعكس هذه التطورات نهاية مرحلة كان فيها إلقاء اللوم على طرف واحد كافياً لتبرير التعثر، وبداية مرحلة جديدة تتطلب مواجهة مباشرة للخلافات، وإعادة صياغة آليات اتخاذ القرار داخل التكتل.
وتؤكد نتائج قمة قبرص أن أوروبا تقف أمام مفترق طرق، حيث يتعين عليها إما تجاوز انقساماتها وتعزيز وحدتها، أو مواجهة مخاطر التراجع في ظل بيئة دولية تزداد تعقيداً وتنافسية.



