رئيسيمنوعات

 جنيف تواجه شبح الانكماش بعد تخفيضات ترامب وتمويل الأمم المتحدة

بدأت مدينة جنيف تشهد تداعيات متسارعة نتيجة تخفيضات التمويل الأمريكي وانسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عدد كبير من مؤسسات الأمم المتحدة، ما يهدد مستقبل الحي الدولي الذي شكّل لعقود أحد أبرز مراكز الدبلوماسية العالمية.

وبحسب تقرير نشره موقع بوليتيكو، باتت الساحات المحيطة بـقصر الأمم شبه خالية، فيما تراجعت الحركة داخل المباني الدولية التي كانت تعج بالموظفين والدبلوماسيين.

وتضم جنيف نحو 30 وكالة أممية وأكثر من 400 منظمة غير حكومية، ضمن مساحة لا تتجاوز 1.7 ميل مربع، فيما استضافت المدينة خلال عام 2024 أكثر من 36 ألف موظف دولي وساهم القطاع الدولي فيها بإنفاق يقارب سبعة مليارات فرنك سويسري.

لكن هذا النموذج الاقتصادي بات مهدداً بعد التحول الكبير في السياسة الأمريكية تجاه المؤسسات متعددة الأطراف خلال الولاية الثانية لترامب.

وكان السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة جيف بارتوس قد صرّح في أكتوبر 2025 بأن “الأمم المتحدة أصبحت متضخمة وغير فعالة”، في إشارة إلى توجه الإدارة الأمريكية لتقليص تمويل المنظمة الدولية.

وفي ديسمبر 2025، أقرت الأمم المتحدة ميزانية بقيمة 3.45 مليار دولار، بانخفاض نسبته 7 في المئة مقارنة بالعام السابق.

وفي 7 يناير 2026، أصدر ترامب مذكرة رئاسية تقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة وهيئة دولية تابعة للأمم المتحدة، من بينها أكثر من عشر مؤسسات مقرها جنيف.

كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من احتمال حدوث “انهيار مالي وشيك” بحلول يوليو المقبل.

وقالت لورا جونسون إن معظم المنظمات الدولية بدأت تدرس نقل مقارها أو الاستعانة بمصادر خارجية لتقليص التكاليف.

وبدأت بالفعل موجة تسريحات واسعة داخل المؤسسات الدولية.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية خططاً لإلغاء أكثر من 800 وظيفة في مقرها بجنيف بحلول يونيو 2026.

كما خفّض تحالف غافي عدد موظفيه بنحو الثلث خلال عام 2025.

وقررت اليونيسف نقل 290 وظيفة، تمثل غالبية موظفيها في جنيف، إلى روما.

فيما قلّص برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز عدد موظفيه في جنيف من 127 موظفاً إلى نحو 19 فقط.

وأكدت جونسون أن أجواء العمل داخل المنظمات أصبحت “كئيبة وغير مستقرة”، مع تصاعد المخاوف من فقدان الوظائف.

وقالت الموظفة السابقة في المنظمة الدولية للهجرة إميلي سيو إن حالة عدم اليقين دفعت الموظفين إلى التنافس الحاد على المشاريع والمناصب للحفاظ على وظائفهم.

وأضافت أن الموظفين المسرحين يواجهون مشكلة إضافية تتمثل في فقدان حق الإقامة في سويسرا، لأن تصاريح عملهم مرتبطة مباشرة بوظائفهم داخل الأمم المتحدة.

وأوضحت أن الموظفين الدوليين مستثنون أيضاً من نظام الضمان الاجتماعي السويسري، ما يحرمهم من الاستفادة من التأمين ضد البطالة.

من جهتها، قالت فيرونيكا فورين، التي فقدت وظيفتها في اللجنة الكاثوليكية الدولية للهجرة، إن شعار الأمم المتحدة “لا تتركوا أحداً خلفكم” لم يعد يعكس الواقع الحالي.

وفي المقابل، دافع السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز عن سياسة التقليص، متسائلاً: “لماذا يجب أن تكون المكاتب الرئيسية للأمم المتحدة في أغلى مدن العالم؟”.

وتُعد جنيف ثاني أغلى مدينة في العالم من حيث تكاليف المعيشة بعد زيورخ، بحسب مؤشر Numbeo لعام 2026.

ويحصل موظفو الأمم المتحدة في جنيف على بدل غلاء معيشة يصل إلى 93.8 في المئة فوق الرواتب الأساسية، مقارنة بـ31.5 في المئة في روما و39.6 في المئة في نيروبي.

وأظهرت دراسة لمؤسسة جنيف عام 2024 أن الرواتب تمثل نحو 60 في المئة من إجمالي إنفاق المنظمات الدولية في المدينة.

ورغم ذلك، يرى مسؤولون سويسريون أن تفكيك التجمع الدولي في جنيف سيؤدي إلى خسائر استراتيجية بعيدة المدى.

وقال السفير السويسري لدى الأمم المتحدة توماس غوربر إن قرب الوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية والبعثات الدبلوماسية من بعضها يشكل “كثافة مؤسسية” تسرّع المفاوضات وصناعة المعايير الدولية.

وأضاف أن نقل المؤسسات قد يبدو أقل تكلفة مالياً، لكنه سيؤدي إلى خسائر استراتيجية كبيرة على المدى الطويل.

ويمثل القطاع الدبلوماسي نحو 11.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لجنيف، ما يجعل أي انكماش فيه تهديداً مباشراً للاقتصاد المحلي.

وقالت الباحثة فاني باداش إن آلاف العائلات المرتبطة بالمؤسسات الدولية تغادر المدينة، ما يترك آثاراً اقتصادية واجتماعية واسعة.

كما حذر عمدة جنيف المنتهية ولايته ألفونسو غوميز من أن فقدان الوظائف الدولية سيؤدي أيضاً إلى اختفاء آلاف الوظائف غير المباشرة المرتبطة بالقطاع.

ورغم ذلك، قد يؤدي تراجع عدد الموظفين الدوليين إلى تخفيف أزمة الإسكان الحادة التي تعاني منها المدينة، حيث لا يتجاوز معدل الشواغر السكنية 0.34 في المئة.

لكن التقرير حذر في المقابل من احتمال تحول مناطق واسعة من الحي الدولي إلى مساحات مكتبية فارغة إذا استمر انكماش الوجود الأممي في جنيف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى