رئيسيشئون أوروبية

الاتحاد الأوروبي يقترب من حظر وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين

تتجه المفوضية الأوروبية نحو اتخاذ واحدة من أكثر الخطوات تشددًا في تنظيم الفضاء الرقمي، مع اقترابها من طرح خطة لفرض قيود عمرية على استخدام منصات التواصل الاجتماعي من قبل القاصرين، في إطار مساعٍ تقول إنها تهدف إلى الحد من الأضرار النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها الأطفال والمراهقون عبر الإنترنت.

ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع صدور تقرير أعدته لجنة خبراء كلفتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدراسة المخاطر المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وسط توقعات بأن يشكل التقرير الأساس السياسي والقانوني لمشروع تشريعي جديد قد يُطرح خلال الأشهر المقبلة.

وبحسب المعطيات المتداولة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فإن التقرير لا يهدف إلى إقناع المفوضية بضرورة التحرك، إذ سبق لفون دير لاين أن أعلنت مرارًا قناعتها بأن منصات التواصل الاجتماعي تشكل مخاطر متزايدة على الأطفال، وأن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى قواعد موحدة لحمايتهم.

وكانت رئيسة المفوضية قد شكلت لجنة الخبراء قبل أشهر، وضمت طبيب الأطفال النفسي يورغ فيغرت وعالمة الأوبئة الاجتماعية ماريا ميلشيور، بمشاركة عشرات المختصين في مجالات الصحة النفسية وحقوق الطفل والتكنولوجيا الرقمية.

وتشير التقديرات إلى أن المفوضية قد تكشف رسميًا خلال شهر سبتمبر المقبل عن مشروع يفرض قيودًا عمرية موحدة على استخدام منصات التواصل الاجتماعي داخل دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن بدأت بالفعل أعمال إعداد المسودة القانونية الخاصة بهذا الملف.

ويهدف التقرير، وفق مسؤولين أوروبيين، إلى توفير قاعدة علمية تساعد على إقناع الحكومات المتحفظة بجدوى فرض القيود الجديدة، وإسناد أي تشريع مرتقب بأدلة تتعلق بالتأثيرات السلبية لوسائل التواصل على الصحة النفسية للأطفال.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتسارع فيه المبادرات الدولية لتقييد استخدام القاصرين لمنصات التواصل الاجتماعي.

فقد أصبحت أستراليا أول دولة تفرض حظرًا قائمًا على العمر، قبل أن تتبنى إندونيسيا وماليزيا إجراءات مشابهة، فيما يناقش البرلمان التركي مشروع قانون في الاتجاه نفسه، بينما تمضي فرنسا والمملكة المتحدة أيضًا نحو فرض قيود أكثر صرامة.

وفي داخل الاتحاد الأوروبي، تشير التقديرات إلى أن غالبية الدول الأعضاء باتت تؤيد تشديد الضوابط على استخدام الأطفال لمنصات التواصل، إذ أعلن مسؤولون أن 14 دولة على الأقل تدعم التحرك الأوروبي، بما يمنح المشروع قاعدة سياسية قوية داخل مجلس الاتحاد.

وأكد وزير الشؤون الرقمية البولندي أن غالبية الحكومات الأوروبية باتت تميل إلى اعتماد حلول مشتركة، موضحًا أن أكثر من 70% من المواطنين في بولندا يؤيدون فرض قيود عمرية على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، بسبب تعرضهم لمواد ضارة تشمل المحتوى الإباحي والتنمر الإلكتروني وجرائم الإنترنت.

في المقابل، لا تزال بعض الدول، خاصة تلك التي تتمتع بقطاع رقمي متقدم، تتحفظ على فكرة الحظر الشامل، معتبرة أن هناك وسائل أكثر فاعلية لحماية الأطفال دون اللجوء إلى منعهم من استخدام المنصات.

كما انتقدت وزيرة العدل والشؤون الرقمية في إستونيا النهج الذي تتبعه المفوضية، معتبرة أن إعلان النية بفرض الحظر قبل انتهاء الدراسات يعطي انطباعًا بأن القرار قد اتخذ مسبقًا، وأن مهمة الخبراء اقتصرت على إيجاد مبررات له.

ورغم الزخم السياسي الذي يحظى به المشروع، فإن عدداً من الخبراء المشاركين في أعمال اللجنة لا يؤيدون فرض حظر شامل، ويفضلون اعتماد إجراءات أكثر توازنًا تراعي حقوق الأطفال في الوصول إلى المعلومات والتواصل الرقمي، مع تعزيز أدوات الحماية والرقابة بدلاً من المنع الكامل.

وكان عدد من المختصين قد وجهوا رسالة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية حذروا فيها من أن القيود العامة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، داعين إلى تبني سياسات أكثر دقة تراعي الفروق العمرية واحتياجات الأطفال المختلفة.

كما تستند هذه التحفظات إلى تجارب دولية حديثة، أبرزها التجربة الأسترالية، حيث أظهرت تقييمات أولية أن الحظر لم يحقق حتى الآن النتائج المرجوة في منع الأطفال من الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب ضعف التزام بعض شركات التكنولوجيا بتطبيق القيود المفروضة.

وأشارت السلطات الأسترالية إلى أنها تدرس منح هيئة تنظيم السلامة الإلكترونية صلاحيات أوسع لإجبار المنصات الرقمية على تنفيذ القوانين بصورة أكثر فعالية.

ومن المنتظر أن تعلن فون دير لاين رسميًا تبنيها لتوصيات لجنة الخبراء، مع التأكيد على ضرورة تعزيز حماية الأطفال في البيئة الرقمية، فيما يُتوقع أن يشكل خطابها السنوي أمام البرلمان الأوروبي خلال سبتمبر المقبل محطة رئيسية للكشف عن الخطوات التشريعية المقبلة، في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي صياغة واحدة من أكثر السياسات الرقمية تشددًا تجاه استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى