دعوات لإجراء إصلاح جذري في آليات صنع القرار الأوروبي

تتصاعد داخل الاتحاد الأوروبي دعوات لإجراء إصلاح جذري في آليات صنع القرار في السياسة الخارجية، بعد سلسلة من الإخفاقات التي كشفت عن شلل واضح في قدرة التكتل على اتخاذ مواقف موحدة تجاه أزمات دولية متسارعة، أبرزها الحرب في أوكرانيا والتصعيد في الشرق الأوسط.
وأظهرت التطورات الأخيرة عجز الاتحاد عن حسم ملفات رئيسية، من بينها إقرار حزمة تمويل بقيمة 90 مليار يورو لصالح أوكرانيا، وفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، إضافة إلى اتخاذ إجراءات موحدة ضد روسيا، ما كشف عن خلل هيكلي في منظومة القرار الأوروبي.
وتعزو مصادر دبلوماسية هذا التعطيل إلى نظام الإجماع، الذي يمنح كل دولة عضو حق النقض، ما يسمح لعاصمة واحدة بعرقلة قرارات تحظى بتأييد واسع داخل الاتحاد.
في هذا السياق، تقود دول مثل ألمانيا والسويد تحركاً متزايداً لإلغاء أو تقليص حق الفيتو في قضايا السياسة الخارجية، بهدف تسريع اتخاذ القرار وتعزيز فاعلية الاتحاد على الساحة الدولية.
وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن التجارب الأخيرة أثبتت ضرورة إنهاء مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية والأمنية، مشدداً على أن ذلك شرط أساسي لتعزيز قدرة الاتحاد على التحرك الدولي.
في المقابل، تتمسك دول أخرى، بينها بلجيكا ودول أصغر، بالإبقاء على نظام الإجماع، معتبرة أنه ضمانة أساسية لحماية مصالحها الوطنية ومنع تهميشها داخل الاتحاد.
وتتجلى الأزمة بشكل واضح في الدور الذي تلعبه المجر، التي عرقلت مراراً قرارات مهمة، بما في ذلك دعم أوكرانيا، في وقت حساس يسبق الانتخابات الداخلية، ما أثار مخاوف من ربط السياسة الخارجية الأوروبية بحسابات داخلية لدول بعينها.
وتشير تقديرات دبلوماسيين إلى أن المشكلة تتجاوز حالة المجر، حيث يمكن لأي دولة استخدام الفيتو لتعطيل القرارات، ما يجعل النظام الحالي عرضة للشلل المستمر.
وأكد مسؤول أوروبي رفيع أن خطط فرض عقوبات على مستوطنين في الضفة الغربية، والتي تحظى بدعم 26 دولة من أصل 27، تعطلت بالكامل بسبب اعتراض دولة واحدة، في مؤشر على عمق الأزمة.
وتتزامن هذه الأزمة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، حيث يواجه الاتحاد تحديات متزامنة تشمل الحرب الروسية في أوكرانيا، والتصعيد في الشرق الأوسط، وتوتر العلاقات مع الولايات المتحدة، ما يفرض ضغوطاً إضافية على قدرته على التحرك.
ويرى دبلوماسيون أن بطء اتخاذ القرار يهدد بتهميش الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية، في وقت تتحرك فيه القوى الكبرى بسرعة أكبر في إدارة الأزمات.
وتفاقمت الأزمة أيضاً بسبب صراعات داخلية على الصلاحيات، حيث برزت خلافات بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ومسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس حول قيادة الملف الدبلوماسي.
وتشير تحليلات إلى أن هذه الخلافات تعكس خللاً أعمق في هيكل السياسة الخارجية، وليس مجرد تنافس مؤسسي، ما يزيد من تعقيد المشهد داخل الاتحاد.
وتجري حالياً مناقشات غير رسمية بين الدول الكبرى لبحث إصلاحات محتملة، تشمل تعزيز دور السفراء في اتخاذ القرار، وإعادة هيكلة جهاز العمل الخارجي الأوروبي لتحسين التنسيق والسرعة.
وتطرح بعض المقترحات إنشاء منصب “وزير خارجية للاتحاد الأوروبي” بصلاحيات أوسع، إلى جانب تأسيس مجلس أمن أوروبي يضم شركاء خارجيين مثل بريطانيا والنرويج، بهدف تسريع الاستجابة للأزمات.
كما يجري بحث دمج جهاز العمل الخارجي الأوروبي داخل المفوضية الأوروبية، في محاولة لتوحيد القرار وتقليل الازدواجية المؤسسية، رغم وجود معارضة لهذه الفكرة داخل بعض الدوائر.
ويرى خبراء أن التحديات الأمنية الجديدة، بما في ذلك الحروب الهجينة والطائرات المسيّرة والصواريخ، تتطلب آليات أكثر مرونة وسرعة، وهو ما يفتقده النظام الحالي.
في المقابل، يحذر بعض المسؤولين من أن المشكلة الأساسية ليست في الهياكل، بل في غياب الإرادة السياسية، معتبرين أن أي إصلاح لن يكون فعالاً دون توافق حقيقي بين الدول الأعضاء.
وتشير مواقف أخرى إلى أن استمرار نظام الإجماع سيبقي الاتحاد عاجزاً عن العمل بفعالية، مهما تم إنشاء مؤسسات جديدة، ما يعيد النقاش إلى جوهر الأزمة.


