كارثة السكك الحديدية في إسبانيا تضاعف الضغوط على سانشيز وسط أزمات سياسية متراكمة

فاقمت كارثة تصادم قطارين في جنوب إسبانيا، أسفرت عن مقتل 45 شخصًا في 18 يناير/كانون الثاني الجاري، الضغوط السياسية المتزايدة على حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، الذي يواجه أصلًا واحدة من أكثر الفترات هشاشة خلال سنوات حكمه الثماني، في ظل فضائح فساد وسوء سلوك هزّت الحزب الاشتراكي الحاكم خلال العام الماضي.
وسارعت أحزاب المعارضة إلى استغلال الحادث المأساوي لفتح جبهة جديدة ضد الحكومة، متهمةً إياها بالإهمال وسوء إدارة الخدمات العامة الحيوية.
وقال زعيم حزب الشعب المحافظ ألبرتو نونيز فيخو إن الحادث «دليل على تعطل الخدمات الأساسية التي تعتمد على الحكومة»، معتبرًا أن «حالة السكك الحديدية تعكس حالة البلاد».
أما حزب «فوكس» اليميني المتطرف فذهب أبعد من ذلك، واصفًا ما حدث بأنه «عدم كفاءة إجرامية».
ورغم أن محللين سياسيين لا يتوقعون أن يؤدي الجدل حول الكارثة إلى انهيار فوري لحكومة سانشيز، فإنهم يحذرون من تأثيره المحتمل على فرص الحزب الاشتراكي في الانتخابات الإقليمية المرتقبة، ولا سيما في أراغون في فبراير وقشتالة وليون في مارس، حيث باتت البنية التحتية للسكك الحديدية محورًا رئيسيًا في الحملات الانتخابية.
وتُعد السكك الحديدية ركيزة أساسية في الاقتصاد الإسباني، إذ تمتلك البلاد ثاني أكبر شبكة قطارات فائقة السرعة في العالم بعد الصين. وخلال عام 2024 وحده، نقلت هذه الشبكة نحو 40 مليون راكب، بزيادة 22% عن العام السابق، بينما بلغ إجمالي عدد مستخدمي القطارات الإسبانية 549 مليون راكب.
ويُعد حادث بلدة أداموز الأخطر منذ عام 2013، حيث انحرف قطار فائق السرعة عن مساره واصطدم بقطار قادم على مقطع مستقيم من السكة. ويركز المحققون حاليًا على احتمال وجود شرخ في لحام السكة بين جزء قديم وآخر أحدث، في وقت لا يزال فيه التحقيق جاريًا.
غير أن الحادث لم يكن معزولًا، إذ وقعت بعده بيومين حادثة أخرى في كاتالونيا، قُتل فيها سائق متدرب إثر انهيار جدار على خط إقليمي قرب برشلونة.
وأدى ذلك إلى حالة من الفوضى، مع توقف السائقين عن العمل مطالبين بضمانات للسلامة، وتكرار الأعطال الفنية، ما أجبر السلطات على فرض تخفيضات مؤقتة للسرعة على عدد من خطوط القطارات، بينها خط مدريد–برشلونة.
وتزامنت أزمة السكك الحديدية مع تراجع شعبية سانشيز نتيجة سلسلة فضائح طالت حلفاءه. ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أُقيل المدعي العام ألفارو غارسيا أورتيز بعد إدانته بتسريب معلومات سرية، فيما يواجه مسؤولون اشتراكيون حاليون وسابقون تحقيقات في قضايا فساد واتهامات بسوء السلوك الجنسي.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة كارلوس الثالث بابلو سيمون أن الأزمة الحالية توفر «خط هجوم جديد» على الحكومة، لا يرتبط بتحالفاتها مع الأحزاب المؤيدة للاستقلال أو بملفات الفساد فقط، بل بقدرتها على إدارة الخدمات العامة.
وأضاف أن هذا النوع من الانتقادات قد يكون أكثر تأثيرًا لدى الرأي العام.
وتركز معظم الانتقادات على وزير النقل أوسكار بوينتي، الذي تصدّر المشهد الحكومي عقب الحادث. فقد نفى في البداية أن يكون التصادم ناجمًا عن سوء الصيانة أو نقص الاستثمار، لكن المعارضة تتهمه بتضليل الجمهور، وتطالب باستقالته.
في المقابل، أكدت المتحدثة باسم الحكومة إلما سايز أن بوينتي «كان حيث يجب أن يكون»، وأنه يتعامل مع القضية بتعاطف وشفافية.
وأعادت الفوضى في كاتالونيا إحياء شكاوى القوميين هناك من ضعف الاستثمار الحكومي في شبكة القطارات الإقليمية.
وحتى حزب اليسار الجمهوري الكاتالوني، أحد حلفاء الحكومة في البرلمان، دعا بوينتي إلى التنحي.
ويشير مراقبون إلى أن تداعيات أزمة السكك الحديدية قد تشبه، من حيث الأثر السياسي، أزمة الفيضانات المدمرة في شرق البلاد عام 2024، التي ألحقت ضررًا كبيرًا بشعبية المحافظين آنذاك.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تبدو السكك الحديدية رمزًا جديدًا لامتحان ثقة الناخبين بحكومة سانشيز، في لحظة سياسية دقيقة قد تحدد مسار ما تبقى من ولايته.



