اتفاق السلام بين روسيا وأوكرانيا يقترب شكلياً… لكنه عالق في جوهر الصراع

بينما يستعد المفاوضون لجولة جديدة من المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، يتزايد الحديث الدولي عن اقتراب اتفاق سلام، غير أن الواقع التفاوضي يكشف أن القضايا الأكثر حساسية لا تزال بلا حل، ما يجعل السلام وشيكاً في الخطاب، ومؤجلاً في الجوهر.
وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الأسبوع أن فريقه التفاوضي قد يجتمع مع ممثلين عن روسيا والولايات المتحدة في أقرب وقت، مؤكداً استعداده للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين شخصياً.
غير أن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها أقرّ في الوقت نفسه بأن «القضايا الأشد تعقيداً لا تزال عالقة»، في إشارة واضحة إلى أن التقدم السياسي لا يزال محدوداً.
في المقابل، ساد قدر من التفاؤل في واشنطن. فقد قال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف قبل محادثات عُقدت في الإمارات إن الخلافات باتت محصورة في قضية واحدة «قابلة للحل»، بينما اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال مشاركته في منتدى دافوس، أن الاتفاق بات «قريباً إلى حد معقول».
لكن خروج موسكو وكييف من محادثات الإمارات دون اختراق حقيقي أعاد التأكيد على وجود ثلاث عقد مركزية تعرقل أي تسوية شاملة.
أولاً: عقدة الأرض
القضية الأبرز هي المسألة الإقليمية، وتحديداً مستقبل منطقة دونباس في شرق أوكرانيا.
فموسكو تصرّ على حصولها على كامل دونباس، إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمّتها عام 2014، حتى في المناطق التي لم تتمكن قواتها من السيطرة عليها ميدانياً. ويطرح الكرملين ما يسميه «صيغة أنكوراج»، التي تلزم أوكرانيا بالتنازل الكامل عن الإقليم.
بالنسبة لكييف، يُعدّ هذا الطرح غير قانوني وغير قابل للتسويق داخلياً. ورغم أن زيلينسكي أبدى استعداداً لمناقشة حلول وسط، مثل تحويل المنطقة إلى منطقة منزوعة السلاح أو «منطقة اقتصادية حرة» مع بقائها رسمياً ضمن السيادة الأوكرانية، فإن موسكو اعتبرت ذلك غير كافٍ. وأكد مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، أن «لا تسوية طويلة الأمد من دون حل نهائي للقضية الإقليمية».
ثانياً: الضمانات الأمنية
العقبة الثانية تتعلق بمستقبل الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد الحرب. فقد اتفقت بريطانيا وفرنسا على نشر قوات في أوكرانيا فور التوصل إلى اتفاق سلام، في خطوة وصفها ويتكوف بأنها «الأقوى عالمياً».
لكن الدور الأميركي لا يزال غامضاً، وسط تقارير – نفتها واشنطن – تفيد بربط الضمانات الأمنية بتنازلات أوكرانية في ملف دونباس.
وتتضمن الخطة الأميركية المعروفة بـ«خطة النقاط العشرين» مساراً لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2027، وهو ما يوفر لها مظلة دفاعية غير مباشرة.
غير أن موسكو ترفض بشكل قاطع أي وجود لقوات من دول حلف الناتو في أوكرانيا، وتطالب بدورها بضمانات خاصة، تشمل استبعاد انضمام كييف للناتو نهائياً، وتقليص حجم الجيش الأوكراني، ومنح روسيا نفوذاً فعلياً على القرارات الدفاعية الأوكرانية.
ثالثاً: توقيت وقف إطلاق النار
أما العقدة الثالثة، والأقرب إلى هموم الأوكرانيين اليومية، فهي مسألة وقف إطلاق النار. تريد كييف وقفاً فورياً للأعمال العدائية قبل إبرام اتفاق نهائي، في ظل القصف الروسي اليومي الذي يضرب البنية التحتية ويغرق مدناً كاملة في الظلام والبرد.
في المقابل، تصر موسكو على أن وقف القتال لا يمكن أن يتم إلا بعد التوصل إلى اتفاق شامل يلبّي أهدافها.
وقد اتهم زيلينسكي روسيا هذا الأسبوع بـ«الإرهاب»، عقب استهداف طائرة مسيّرة روسية قطار ركاب، ما أسفر عن مقتل خمسة مدنيين، في حادث يعكس هشاشة الوضع الميداني رغم المسار الدبلوماسي.
سلام مؤجل
رغم إظهار الطرفين حرصهما على الظهور بمظهر المتعاون أمام الإدارة الأميركية، يرى محللون أن الفجوة الجوهرية لا تزال واسعة. فبينما تبدي أوكرانيا استعداداً للتسوية، يعتبر مراقبون أن روسيا تستخدم المفاوضات كتكتيك للمماطلة مع التمسك بهدفها الأساسي المتمثل في إخضاع أوكرانيا سياسياً وجغرافياً.
وفي الداخل الأوكراني، يواجه زيلينسكي بدوره قيوداً سياسية وشعبية، إذ إن أي تنازل إقليمي واسع قد يتطلب استفتاءً أو انتخابات، وهو أمر يصرّ على ربطه أولاً بوقف إطلاق النار. وبينما تشير استطلاعات الرأي إلى استعداد الأوكرانيين لقبول «اتفاق عادل»، فإن الثقة بالمسار التفاوضي الحالي تبقى محدودة.
وهكذا، يبدو السلام قريباً في التصريحات، لكنه لا يزال بعيداً في كل ما يخص القضايا التي أشعلت الحرب وأطالت أمدها.



