رئيسيشؤون دولية

كيف أنقذ ترامب ميتي فريدريكسن من السقوط الانتخابي: أزمة غرينلاند تعيد رسم السياسة الدنماركية

تدين رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن، بعودتها القوية في استطلاعات الرأي إلى خصم خارجي واحد: الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

فبعد أشهر من التراجع الحاد في الشعبية ونتائج انتخابية محلية وُصفت بالكارثية، جاء تصعيد ترامب بشأن ضم غرينلاند ليقلب المشهد السياسي في الدنمارك رأساً على عقب، ويمنح فريدريكسن دفعة إنقاذ غير متوقعة.

ففي أوائل يناير، صعّد ترامب لهجته ملوّحاً بالسيطرة على غرينلاند «بأي وسيلة ضرورية»، وهي منطقة دنماركية تتمتع بالحكم الذاتي وتشكل أهمية استراتيجية في القطب الشمالي.

وردّ فريدريكسن كان حاسماً ودبلوماسياً في آن واحد، مؤكدة سيادة الدنمارك ورافضة أي نقاش حول مصير الجزيرة خارج إرادة سكانها. هذا الموقف أعادها فجأة إلى موقع «المدافعة عن الأمة»، وهو دور كافأه الناخبون سريعاً.

وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة قفزة واضحة في شعبية حزبها الاشتراكي الديمقراطي. فبحسب استطلاع أجرته شركة «ميغافون» بين 20 و22 يناير، حصل الحزب على 22.7% من نوايا التصويت، ما يعادل 41 مقعداً برلمانياً، مقارنة بـ32 مقعداً فقط في استطلاع أوائل ديسمبر. وبذلك، يعود الحزب ليكون القوة الأكبر في البرلمان، بعد أن كان مهدداً بفقدان الصدارة.

ويأتي هذا التحسن اللافت بعد أقل من شهرين على انتخابات بلدية قاسية في نوفمبر الماضي، خسر فيها حزب فريدريكسن بلدية كوبنهاغن للمرة الأولى منذ قرن، في ضربة رمزية قوية هزّت ثقة قيادة الحزب.

آنذاك، كانت شعبية رئيسة الوزراء تتآكل تحت وطأة أخطاء سياسية داخلية، من بينها قرار إعدام 17 مليون من حيوانات المنك خلال جائحة كوفيد-19، وقضايا مثيرة للجدل طالت أجهزة الأمن.

لكن أزمة غرينلاند أعادت خلط الأوراق. يقول النائب اليساري بير كلاوسن إن الحكومة «رسمت أخيراً خطاً واضحاً بدلاً من الظهور بمظهر الخاضعين»، معتبراً أن هذا التحول هو السبب الرئيسي في انتعاش الدعم الشعبي.

ويؤكد محللون أن ما حدث يندرج ضمن ظاهرة أوسع، حيث أصبح التصدي لترامب وقوداً انتخابياً في عدد من الديمقراطيات الغربية، من كندا إلى أستراليا.

وتشير أستاذة العلوم السياسية آن راسموسن إلى أن «لا تفسير آخر لهذا الارتفاع سوى غرينلاند»، معتبرة أن الدنمارك لم تشهد مثل هذا الالتفاف الشعبي حول الحكومة منذ ذروة جائحة كورونا. وتضيف أن الأزمات الوطنية غالباً ما تمنح أفضلية للحكومات القائمة، خاصة عندما تُظهر قيادة حازمة في مواجهة تهديد خارجي.

اللافت أن شركاء فريدريكسن في الائتلاف استفادوا أيضاً من هذه الموجة. فقد ارتفع دعم حزب المعتدلين، بقيادة وزير الخارجية لارس لوك راسموسن، إلى نحو 6.4%، بعد أن كان عند 2.2% فقط. كما أظهر استطلاع آخر لمعهد «فوكسميتر» أن 40.9% من الدنماركيين يؤيدون الحكومة الحالية، وهي أعلى نسبة منذ عامين.

ومع ذلك، لا تزال الحكومة بعيدة عن الأغلبية المطلقة البالغة 90 مقعداً، ما يعني أنها ستظل معتمدة على تحالفات مرنة. لكن الفارق بين هذا الوضع وما كان متوقعاً قبل أشهر – هزيمة انتخابية محتملة – كبير بما يكفي لتغيير الحسابات السياسية.

ويبقى السؤال الأبرز: هل ستدعو فريدريكسن إلى انتخابات مبكرة؟ فبحسب القانون، يجب إجراء الانتخابات قبل نوفمبر 2026، وقد سبق لها أن لجأت إلى انتخابات مبكرة عام 2022 وخرجت فائزة. يرى مراقبون أنها قد تنتظر قليلاً قبل استغلال الزخم الحالي، لكن كثيرين يرجحون تصويتاً قبل الصيف.

في المقابل، تحذّر أصوات أكاديمية من أن تأثير «الالتفاف حول العلم» لن يدوم طويلاً. فمع تراجع حدة أزمة غرينلاند وعودة القضايا الداخلية – مثل غلاء المعيشة والخدمات العامة – إلى الواجهة، قد تتآكل المكاسب سريعاً. ويقول أستاذ العلوم السياسية رون ستوباجر إن الحكومة ستعود لتُقيّم أساساً على أدائها الداخلي لا الخارجي.

مع ذلك، وفي لحظة سياسية حرجة، يبدو أن تهديد ترامب بضم غرينلاند منح ميتي فريدريكسن فرصة نادرة لإعادة تقديم نفسها، ليس فقط كرئيسة حكومة متعثرة، بل كزعيمة وطنية قادرة على الوقوف في وجه أقوى رجل في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى