أوروبا تملك الأسلحة لكنها لا تزال بحاجة إلى أمريكا لخوض الحروب

رغم ما تمتلكه الدول الأوروبية من مصانع أسلحة متقدمة وترسانات متنامية، إلا أن القارة العجوز لا تزال عاجزة عن خوض حرب كبرى أو ردع خصم بحجم روسيا دون الاعتماد الواسع على الولايات المتحدة.
فبحسب دبلوماسيين ومحللين عسكريين، تكمن الفجوة الحقيقية ليس في عدد الدبابات أو الطائرات، بل في العمود الفقري غير المرئي للحرب الحديثة: الاستخبارات، واللوجستيات، والاتصالات، وأنظمة القيادة والسيطرة.
ودفع هذا الواقع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي حلف الناتو، مارك روته، إلى السخرية علناً من فكرة أن أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، معتبراً أن القارة ستبقى “مشلولة استراتيجياً” في غياب القدرات الأميركية.
وعكست تصريحات روته قناعة راسخة داخل الدوائر العسكرية الغربية بأن الاستقلال الدفاعي الأوروبي ما زال أقرب إلى الطموح السياسي منه إلى الواقع العملي.
وتُظهر مقابلات مع دبلوماسيين ومسؤولين دفاعيين أن القاعدة الصناعية الأوروبية قادرة بالفعل على إنتاج الأسلحة والطائرات والدبابات والصواريخ، لكنها تعتمد بصورة كبيرة على وزارة الدفاع الأميركية في مجالات حاسمة، مثل جمع المعلومات الاستخباراتية، والنقل الاستراتيجي، والتزود بالوقود جواً، وشبكات الاتصالات الآمنة، إضافة إلى أنظمة القيادة والسيطرة التي تنسّق العمليات القتالية المعقدة.
ومن دون هذه القدرات، يرى خبراء أن أوروبا لا تملك فرصة حقيقية لردع روسيا.
وقال مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس هذا الأسبوع: “علينا أن نكون مستعدين لاستبدال العوامل الاستراتيجية الأميركية بعوامل أوروبية. يجب أن تكون هذه أولويتنا الاستراتيجية”، واصفاً ذلك بأنه الخطوة الأولى نحو “الاستقلال”.
غير أن هذا الاستقلال، بحسب معظم التقديرات، سيكون مكلفاً وبطيئاً. ويقول أوليفييه شميت، رئيس قسم الأبحاث في معهد العمليات العسكرية بالكلية الملكية الدنماركية للدفاع، إن “لا دولة أوروبية، بحكم التعريف، قادرة على أن تحل محل الولايات المتحدة”، في إشارة إلى الفجوة الهائلة في القدرات الشاملة.
ويدرك الاتحاد الأوروبي هذه الثغرات، وقد أطلق “البوصلة الاستراتيجية” وخطة جاهزية 2030 لتقليص الاعتماد على واشنطن. إلا أن دبلوماسيين ومحللين أكدوا أن السياسة الداخلية المعقدة للقارة تُعد العقبة الأكبر.
فشرط الإجماع داخل الاتحاد يمنح دولاً مثل المجر، المتهمة بالتقارب مع الكرملين، قدرة على تعطيل قرارات حيوية. وحتى في حال تحركت دول أوروبية ضمن تحالفات أصغر، فإنها ستظل بحاجة إلى التنسيق مع دول خارج الاتحاد مثل المملكة المتحدة والنرويج وكندا.
ويحذر خبراء من أن “الطلاق الكامل” عن الولايات المتحدة سيكون بالغ الكلفة. فقد قدّر روته أن ذلك قد يتطلب إنفاقاً دفاعياً يصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعف الهدف المتفق عليه داخل الناتو.
أما المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فيقدّر الكلفة الإجمالية بنحو تريليون دولار، تشمل استبدال المنصات العسكرية الأميركية، وتعويض النقص في قدرات الفضاء والاستطلاع والاستخبارات، وبناء هياكل قيادة وسيطرة مستقلة.
ورغم ذلك، يؤكد مسؤولون في الصناعات الدفاعية أن أوروبا لا تبدأ من الصفر. فقد قال كاميل غراند، الأمين العام لرابطة الصناعات الدفاعية والأمنية الأوروبية، إن “هناك حلاً أوروبياً في 98% من الحالات”، مشيراً إلى وجود بدائل محلية في مجالات عدة.
فعلى صعيد المراقبة الجوية، يسعى الناتو لاستبدال طائرات بوينغ E-3 “سينتري” المعروفة بـ”أواكس”. وبينما طُرح سابقاً خيار الطائرة الأميركية E-7A، تميل دول أوروبية، بينها ألمانيا، إلى البديل السويدي “غلوبال آي” من شركة ساب، وقد طلبت فرنسا بالفعل طائرتين منها.
وفي مجال الدفاع الجوي، تعتمد دول أوروبية كثيرة على نظام “باتريوت” الأميركي من شركة رايثيون، ما يجعلها رهينة لسلاسل الإمداد الأميركية. غير أن نظام SAMP-T الفرنسي-الإيطالي يقدَّم كبديل، وقد اختارته الدنمارك مؤخراً.
أما في النقل الجوي، فتمتلك أوروبا طائرات إيرباص A400M الأطلس، لكنها لا تزال متأخرة عن الولايات المتحدة في قدرات التزود بالوقود جواً، حيث تشغّل واشنطن نحو 450 طائرة، مقابل 156 فقط لدى أوروبا.
ويخلص مراقبون إلى أن تجربة الناتو في ليبيا عام 2011 كشفت حجم هذا الاعتماد، حين احتاجت الدول الأوروبية إلى الدعم الأميركي في معظم القدرات الحيوية.
وبينما تتصاعد الدعوات إلى “السيادة الدفاعية الأوروبية”، يبقى الواقع العسكري يقول إن أوروبا، حتى إشعار آخر، تملك السلاح… لكنها لا تزال بحاجة إلى أمريكا لشن الحرب.



