رئيسيشؤون دولية

اعتقال بيتر ماندلسون وسط تداعيات قضية إبستين

ألقت شرطة العاصمة البريطانية، القبض على السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون للاشتباه في ارتكابه مخالفات أثناء توليه منصباً عاماً، في تطور جديد يعمّق تداعيات قضية الممول الأميركي الراحل جيفري إبستين داخل الأوساط السياسية البريطانية.

وأفاد متحدث باسم شرطة العاصمة بأن الضباط ألقوا القبض على “رجل يبلغ من العمر 72 عاماً” في أحد العناوين بمنطقة كامدن شمال غرب لندن، قبل نقله إلى مركز شرطة في العاصمة لاستجوابه.

وأضاف البيان أن عملية الاعتقال جاءت في إطار تحقيق أوسع شمل تنفيذ أوامر تفتيش في عنوانين بكل من كامدن وويلتشير، على خلفية شبهات تتعلق بتسريب معلومات حكومية.

وتحقق الشرطة في مزاعم تفيد بأن ماندلسون، أحد أبرز مهندسي حزب العمال الحديث، قام بتسريب مناقشات حكومية داخلية إلى إبستين في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما كان يشغل منصب وزير الأعمال في حكومة حزب العمال.

ولم تُوجه أي تهم رسمية إلى ماندلسون حتى الآن، كما لم يصدر عنه تعليق مباشر عقب اعتقاله.

وبموجب القانون البريطاني، يحق للشرطة احتجاز المشتبه به لمدة تصل إلى 24 ساعة، مع إمكانية طلب تمديد فترة الاحتجاز أو توجيه تهم جنائية أو الإفراج عنه دون توجيه اتهام. وأكدت الشرطة أن التحقيق لا يزال في مراحله الجارية.

ويُعد ماندلسون شخصية محورية في السياسة البريطانية المعاصرة. فقد لعب دوراً مركزياً في إعادة تشكيل حزب العمال خلال الثمانينيات والتسعينيات، وساهم في نقل الحزب إلى الوسط السياسي، ما مهّد الطريق لوصول توني بلير إلى رئاسة الوزراء.

وعلى الرغم من استقالته مرتين من حكومات بلير، عاد بقوة في عهد غوردون براون، حيث تولى وزارة الأعمال وأصبح أحد أقوى الشخصيات في الحكومة خلال ذروة الأزمة المالية.

غير أن نشر وثائق ورسائل بريد إلكتروني ضمن ما عُرف بـ“ملفات إبستين”، والتي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية في وقت سابق من هذا العام، أعاد تسليط الضوء على علاقة ماندلسون بالممول المدان بجرائم جنسية.

وتُظهر بعض هذه الرسائل، بحسب تقارير إعلامية، قيام ماندلسون بإعادة توجيه مراسلات حكومية تتعلق بصنع السياسات إلى إبستين، ما أثار موجة جديدة من التدقيق العام والسياسي.

وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد أعاد ماندلسون إلى الواجهة السياسية بعد فوز حزب العمال في الانتخابات، وعيّنه سفيراً لدى واشنطن عام 2025.

غير أن هذا التعيين أثار جدلاً واسعاً، قبل أن تتم إقالته في سبتمبر من العام نفسه عقب نشر مراسلات كشفت استمرار تواصله مع إبستين حتى بعد إدانة الأخير.

وفي ظل الضغوط المتزايدة، تعهدت الحكومة البريطانية بنشر وثائق إضافية تتعلق بتعيين ماندلسون، مع الإشارة إلى أن بعض المعلومات ستظل محجوبة طالما استمر التحقيق الجنائي.

وكان ماندلسون قد أعلن في وقت سابق أن استمراره في العلاقة مع إبستين كان “خطأً فادحاً”، وقدم اعتذاراً وصفه بـ“غير القابل للتأويل” لضحايا إبستين، مؤكداً أن الرسائل المنشورة “لا تثبت ارتكابه أي مخالفة”.

وقبيل اعتقاله، تنازل ماندلسون عن مقعده في مجلس اللوردات، كما أعلن استقالته من حزب العمال، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة للحد من الأضرار السياسية.

من جهتها، قالت وزيرة الحكومة البريطانية جاكي سميث في تصريحات إذاعية إن الشرطة “ستقوم بما يلزم وستواصل التحقيق بالطريقة التي تراها مناسبة”، مؤكدة ضرورة احترام استقلال القضاء.

ويمثل اعتقال ماندلسون تطوراً بالغ الحساسية في المشهد السياسي البريطاني، إذ يضع أحد أبرز رموز حزب العمال في قلب تحقيق جنائي مرتبط بواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل عالمياً، مع ما يحمله ذلك من تداعيات محتملة على ثقة الرأي العام بالنخب السياسية والمؤسسات الحاكمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى