
تواجه خطط المفوضية الأوروبية لإطلاق تطبيق موحد للتحقق من أعمار مستخدمي الإنترنت معارضة متزايدة من دول الاتحاد الأوروبي، في مؤشر جديد على صعوبة توحيد السياسات الرقمية داخل التكتل.
وأفاد وزراء ومسؤولون حكوميون بأن عدداً من العواصم الأوروبية متشكك أو غير مستعد لاعتماد التطبيق الجديد، الذي صُمم لحماية الأطفال من الأضرار الرقمية، بما في ذلك الوصول إلى محتوى غير مناسب مثل المواد الإباحية أو الكحول، مع إمكانية توسيعه ليشمل منصات التواصل الاجتماعي.
وتخطط المفوضية للتوصية رسمياً باستخدام التطبيق، إلا أن ثماني دول أعضاء على الأقل أعربت عن تحفظات واضحة، حيث فضلت العديد من الحكومات تطوير أو الاستمرار باستخدام حلولها الوطنية بدلاً من تبني نظام مركزي.
وبحسب المسؤولين، فإن دولاً مثل فرنسا وأيرلندا وبولندا تميل إلى الاعتماد على أنظمتها الحالية، بينما أكدت ألمانيا أنها لا تخطط لإطلاق التطبيق، في حين أشارت فنلندا إلى أنها لا تستخدمه فعلياً حتى الآن.
وفي هولندا، أكدت وزيرة الشؤون الرقمية أن الحكومة تُجري تقييماً دقيقاً للتطبيق، خاصة من حيث الأمان والخصوصية وإمكانية التحايل عليه، وهي مخاوف تتكرر في عدة دول أخرى.
ويعود جزء من هذا التردد إلى مشكلات تقنية ظهرت فور إطلاق التطبيق، إذ تمكن قراصنة من اكتشاف ثغرات فيه خلال ساعات من إعلان جاهزيته التقنية، ما أثار شكوكاً واسعة بشأن موثوقيته.
وتُبرز هذه التطورات حساسية ملف التحقق من أعمار المستخدمين، في ظل التوازن المعقد بين حماية القاصرين وضمان الخصوصية الرقمية، خاصة مع تنامي القلق الأوروبي من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال.
من جهته، أشار وزير الشؤون الرقمية في اليونان إلى أن بلاده قد تلتزم باستخدام التطبيق إذا فرض الاتحاد الأوروبي نموذجاً موحداً، لكنه اعتبر أن فرض تطبيق واحد على جميع الدول أمر غير مرجح في الوقت الحالي.
وفي إستونيا، حذرت وزيرة العدل والشؤون الرقمية من أن المخاوف المتعلقة بالأمن السيبراني والخصوصية تمثل مؤشراً خطيراً، معتبرة أن هذه الحلول قد لا تكون فعالة، نظراً لإمكانية التحايل عليها وعدم قدرتها على معالجة الأضرار الرقمية بشكل جذري.
ورغم هذه الانتقادات، تؤكد المفوضية أن التطبيق لا يزال في مرحلة تجريبية، وأنه سيخضع لتحديثات مستمرة قبل اعتماده بشكل نهائي.
ويأتي هذا المشروع ضمن جهود أوسع لتطوير “محافظ الهوية الرقمية” على مستوى الاتحاد الأوروبي، والتي يُتوقع إطلاقها بحلول نهاية عام 2026، بهدف توحيد أنظمة التحقق الرقمي بين الدول الأعضاء.
لكن التطبيق الجديد يُعد خطوة انتقالية، إذ تم تصميمه كـ“محفظة إلكترونية مصغّرة” لمساعدة الشركات التقنية على التحقق من أعمار المستخدمين بشكل أسرع، قبل إطلاق النظام الشامل.
وقد شاركت دول مثل الدنمارك وإسبانيا واليونان في اختبار هذا النموذج، في إطار سعي بروكسل لتطوير نظام متكامل.
ومع ذلك، يرى مسؤولون أن التطبيق الجديد سيبقى مكملاً للأنظمة الوطنية وليس بديلاً عنها، مؤكدين أن الحكومات ستحتفظ بالسيطرة على أدوات التحقق الخاصة بها.
وفي هذا السياق، شدد مسؤولون بولنديون على أن محفظة الهوية الرقمية الوطنية ستظل الوسيلة الأساسية للتحقق من أعمار المستخدمين، بينما سيظل تطبيق الاتحاد الأوروبي خياراً إضافياً فقط.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مشروع التحقق الموحد من العمر يواجه تحديات سياسية وتقنية كبيرة، تعكس الانقسام بين توجهات بروكسل نحو التوحيد، وتمسك الدول الأعضاء بسيادتها الرقمية، ما قد يؤخر تنفيذ رؤية أوروبية موحدة في هذا المجال.


