إسبانيا تتحدى ترامب وترفض استخدام قواعدها الجوية في الحرب على إيران

صعّدت إسبانيا موقفها الرافض للحرب الأمريكية على إيران، مؤكدة أنها لن تسمح باستخدام قواعدها الجوية في أي عمليات عسكرية ضد طهران، رغم الضغوط والتهديدات المتزايدة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إن مدريد لن تتخلى عن التزامها بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مشدداً على أن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تعني التخلي عن “المبادئ والقيم”.
وأضاف ألباريس في مقابلة مع موقع بوليتيكو: “نحن نتمسك بقيمنا وندافع عن مصالح مواطنينا. هذا هو الشيء الوحيد الذي يوجهني حقاً”.
وجاءت تصريحات الوزير الإسباني في ظل تصاعد التوتر بين مدريد وواشنطن بعد قرار الحكومة الإسبانية منع الطائرات العسكرية الأمريكية من استخدام قواعدها الجوية في العمليات المرتبطة بالحرب ضد إيران.
وتشمل القيود قواعد استراتيجية مثل قاعدة مورون الجوية وقاعدة روتا، اللتين تعدان من أهم المنشآت العسكرية الأمريكية داخل أوروبا.
وأكد ألباريس أن استخدام هذه القواعد يخضع لاتفاقية ثنائية واضحة تنص على ضرورة توافق أي عمليات عسكرية مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وقال: “هذه حرب من جانب واحد. لم تتم استشارة أي من حلفاء الناتو أو حتى إبلاغهم بما يجري”.
وأضاف: “لا إسبانيا ولا أي دولة أخرى تعرف حقيقة ما يحدث، وهذا سبب إضافي يدفعنا للدفاع عن مصالح مواطنينا”.
وكان ترامب قد هاجم الحكومة الإسبانية في مارس/آذار الماضي بسبب رفضها السماح باستخدام القواعد العسكرية ضد إيران.
وقال الرئيس الأمريكي آنذاك إن الحكومة الإسبانية “كانت فظيعة”، مضيفاً: “لا نريد أي علاقة مع إسبانيا”.
وبحسب التقارير، ردت واشنطن على الموقف الإسباني بالتهديد بفرض حظر تجاري وسحب القوات الأمريكية من إسبانيا، إضافة إلى التلويح بتعليق عضوية مدريد في حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
من جهتها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن ترامب يشعر بخيبة أمل من حلفاء الناتو الذين يرفضون دعم العمليات الأمريكية.
وأضافت أن أوروبا تستفيد بصورة كبيرة من وجود عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين على أراضيها، بينما يتم رفض طلبات استخدام القواعد العسكرية “للدفاع عن المصالح الأمريكية”.
وأكدت كيلي أن ترامب “لن يسمح أبداً بمعاملة الولايات المتحدة بشكل غير عادل أو استغلالها من قبل ما يسمى بالحلفاء”.
كما شددت على أن الإدارة الأمريكية لن تسمح لإيران، التي وصفتها بأنها “أكبر دولة راعية للإرهاب”، بامتلاك سلاح نووي.
وتُعد إسبانيا بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز من أبرز الدول الأوروبية التي اتخذت مواقف ناقدة لإسرائيل والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
وضغطت حكومة سانشيز مراراً داخل الاتحاد الأوروبي من أجل اتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل، كما عارضت التصعيد العسكري ضد طهران.
لكن ألباريس اعتبر أن الموقف الإسباني لم يعد معزولاً داخل أوروبا. وقال: “في البداية بدا أننا وحدنا، لكن بعد أيام يبدأ الآخرون بقول الشيء نفسه، وبعد شهر تصبح أوروبا كلها تتبنى ما نقوله”.
وأضاف أن ما تدافع عنه مدريد يتوافق مع مصالح المواطنين الأوروبيين والقيم الأوروبية.
وفي سياق متصل، أكد وزير الخارجية الإسباني أن أوروبا تمر بمرحلة تحول تاريخية تتطلب تعزيز استقلالها الاستراتيجي والعسكري بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
وقال: “لقد حان وقت السيادة والاستقلال الأوروبيين، وهذا أمر وجودي بالنسبة لنا”.
ودعا ألباريس إلى إنشاء جيش أوروبي مشترك يمتلك قدرات دفاعية مستقلة. وأضاف: “نحن بحاجة إلى جيش أوروبي وقدرة دفاعية مشتركة”.
وشدد على أن تعزيز القوة العسكرية الأوروبية لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره تقويضاً لحلف الناتو، موضحاً أن الولايات المتحدة نفسها تعمل باستمرار على تقوية جيشها دون أن يُعتبر ذلك إضعافاً للحلف.
ويعكس الخلاف بين واشنطن ومدريد حجم الانقسامات المتزايدة داخل المعسكر الغربي بشأن الحرب على إيران، خصوصاً مع تصاعد المخاوف الأوروبية من اتساع رقعة الصراع وتأثيره المباشر على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
ويرى مراقبون أن موقف إسبانيا قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على تبني مواقف أكثر استقلالية عن السياسة الأمريكية، خاصة في ظل تزايد الانتقادات داخل أوروبا لطريقة إدارة ترامب للأزمات الدولية.
كما يسلط التوتر الحالي الضوء على تصاعد النقاش داخل الاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وحدود الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمنية الأمريكية في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة.



