المفوضية الأوروبية تدرس إعادة هيكلة جذرية لإدارة التمويل الإقليمي

تدرس المفوضية الأوروبية تنفيذ إصلاح شامل لإحدى أقدم وأهم إداراتها، في خطوة تعكس توجه رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين نحو تعزيز السيطرة المركزية على أموال الاتحاد الأوروبي وإعادة توجيهها بما يخدم أولويات جديدة مثل الدفاع والتنافسية والاستثمار الاستراتيجي.
وتشرف المديرية العامة للسياسة الإقليمية والحضرية، المعروفة باسم DG REGIO، على نحو ثلث ميزانية الإنفاق الأوروبية من خلال سياسة التماسك، بما يعادل قرابة 600 مليار يورو مخصصة لدعم المناطق الأقل نمواً داخل الاتحاد الأوروبي.
لكن هذه الإدارة التاريخية باتت تواجه خطر إعادة الهيكلة أو الدمج، ضمن مراجعة أوسع تسعى من خلالها بروكسل لإعادة تنظيم مؤسساتها المالية والإدارية.
وبحسب مسؤولين ودبلوماسيين أوروبيين، فإن المفوضية باتت تميل إلى نموذج أكثر مركزية في إدارة الأموال، بعدما اعتبرت أن آلية إدارة صناديق التعافي من جائحة كورونا أثبتت قدرة بروكسل على تحريك التمويل بصورة أسرع وأكثر مباشرة.
وخلال الجائحة، انتقل الاتحاد الأوروبي من نموذج الإدارة المشتركة التقليدية بين الحكومات والمناطق إلى نموذج تفاوض مباشر بين المفوضية والعواصم الأوروبية بشأن خطط التعافي الوطنية.
ويرى مسؤولون أن هذا النموذج يشكل الأساس الذي تُبنى عليه الآن مناقشات الميزانية الأوروبية طويلة الأجل المقبلة.
ووفق التسريبات المتداولة داخل بروكسل، يجري بحث سيناريوهين رئيسيين لإعادة الهيكلة.
ويقضي الخيار الأول بإنشاء “مديرية عامة للاستثمار” تشرف على الصناديق الإقليمية والاجتماعية، إضافة إلى صندوق التنافسية الأوروبي المستقبلي.
ويرى مسؤولون أن هذا الهيكل الجديد سيمنح فون دير لاين سيطرة أوسع على برامج الإنفاق الكبرى داخل الاتحاد الأوروبي.
وقال أحد المسؤولين إن إنشاء هيكل جديد بالكامل سيتيح لرئيسة المفوضية “إعادة تشكيل جزء كبير من الجهاز الأوروبي على صورتها الخاصة”.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على الإبقاء على المديرية العامة للسياسة الإقليمية مع دمجها في فريق الإصلاح والاستثمار الأوروبي المعروف باسم SG REFORM.
ويتولى هذا الفريق حالياً إدارة صناديق التعافي الأوروبية الخاصة بجائحة كورونا، كما يرتبط بشكل مباشر بالأمانة العامة للمفوضية الأوروبية وفريق فون دير لاين.
ويرى مراقبون أن هذا الخيار سيؤدي عملياً إلى تقليص استقلالية الإدارة الإقليمية وتحويل قرارات التمويل إلى مركز القرار في بروكسل.
وأثارت هذه الخطط قلقاً متزايداً داخل البرلمان الأوروبي والمؤسسات الإقليمية.
وقالت لوبيكا كارفاسوفا، نائبة رئيس لجنة التنمية الإقليمية في البرلمان الأوروبي، إن هذه الأفكار تكشف “فشلاً في فهم حقيقة سياسة التماسك الأوروبية”.
وأكدت أن مناطق أوروبا لا يمكن إدارتها عبر نموذج استثماري شديد المركزية، محذرة من رد فعل سياسي واسع إذا تم تقوية إدارات أخرى داخل المفوضية على حساب المديرية العامة للسياسة الإقليمية.
وفي الداخل، يعيش موظفو المديرية العامة للسياسة الإقليمية حالة من القلق والترقب.
ووصف أحد المسؤولين الوضع داخل الإدارة بأنها أصبحت مثل “بيضة في الثلاجة تحمل تاريخ انتهاء صلاحية”.
وأشار إلى أن عدداً من الموظفين بدأوا بالفعل الانتقال إلى إدارات أخرى داخل المفوضية الأوروبية، رغم عدم وجود “نزوح جماعي بدافع الذعر” حتى الآن.
وبحسب المصادر الأوروبية، فإن اللحظة الحاسمة لمستقبل الإدارة ستكون خلال المراجعة المؤسسية والمالية الكبرى التي تستعد المفوضية لإجرائها بحلول نهاية عام 2026، قبل بدء دورة الميزانية الأوروبية الجديدة عام 2028.
كما أشار مسؤولون إلى أن التقاعد المرتقب للمديرة العامة الحالية ثيميس كريستوفيدو العام المقبل يزيد من التكهنات حول احتمال إلغاء الإدارة أو إعادة تشكيلها بالكامل.
ويعكس الجدل الدائر داخل بروكسل تحوّلاً أوسع في أولويات الاتحاد الأوروبي، الذي بات يركز بصورة متزايدة على ملفات الدفاع والتكنولوجيا والتنافسية الاقتصادية، في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية والحرب في أوكرانيا وتصاعد التنافس مع الصين والولايات المتحدة.
ويرى مراقبون أن فون دير لاين تسعى إلى بناء نموذج أوروبي أكثر مركزية في اتخاذ القرار المالي والاستثماري، بما يمنح المفوضية دوراً أكبر على حساب الحكومات المحلية والأقاليم.
لكن منتقدين يحذرون من أن هذا التوجه قد يؤدي إلى تقويض فلسفة “سياسة التماسك” التي شكلت لعقود أحد أهم أدوات الاتحاد الأوروبي لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين مناطق القارة الأوروبية.



