جوردان بارديلا يسعى لاختراق “الجدار الألماني” تمهيداً لرئاسة فرنسا

يعمل رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف جوردان بارديلا على إعادة صياغة علاقة حزبه التاريخية المتوترة مع ألمانيا، في إطار مساعيه لتعزيز صورته كزعيم أوروبي قادر على التعامل مع القوى الكبرى داخل الاتحاد الأوروبي قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة عام 2027.
وبحسب معطيات كشفتها مصادر سياسية أوروبية، أجرى بارديلا لقاءً سرياً مع السفير الألماني لدى فرنسا ستيفان شتاينلاين في وقت سابق من العام الجاري، فيما يدرس القيام بزيارة إلى ألمانيا خلال الأشهر المقبلة.
ويرى مقربون من بارديلا أن التقارب مع برلين يمثل خطوة ضرورية لتعزيز شرعيته الدولية، خصوصاً مع الانتقادات التي تطاله بسبب صغر سنه وافتقاره إلى الخبرة التنفيذية.
وقال تيبو فرانسوا، المسؤول عن الشؤون الأوروبية في حزب التجمع الوطني، إن بارديلا يعتبر ألمانيا “شريكاً لا غنى عنه لفرنسا”، مؤكداً أن الحزب يسعى لبناء علاقات مع الدول الكبرى المؤثرة في الاتحاد الأوروبي.
ويحاول بارديلا أيضاً طمأنة الناخبين المحافظين اقتصادياً الذين لا يشاركون حزب التجمع الوطني مواقفه السابقة المتشددة تجاه الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الأوروبية.
لكن مهمة بارديلا تبدو معقدة بسبب الحساسية السياسية في ألمانيا تجاه التعاون مع أحزاب اليمين المتطرف.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التزمت الأحزاب الألمانية الرئيسية بعدم التعاون مع القوى اليمينية المتطرفة مثل حزب البديل من أجل ألمانيا سواء في الحكم أو في العمل التشريعي.
ورغم ذلك، أظهرت برلين في السنوات الأخيرة مرونة أكبر في التعامل الخارجي مع قادة قوميين ومحافظين في أوروبا، مثل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ورئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان.
ويعتبر بارديلا تجربة ميلوني مصدر إلهام سياسي، بعدما تمكنت من إعادة تقديم نفسها كشخصية أكثر اعتدالاً وبناء علاقات عملية مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
ويأمل قادة حزب التجمع الوطني أن يتمكن بارديلا، في حال وصوله إلى الرئاسة، من بناء محور سياسي مع برلين وروما لدفع الاتحاد الأوروبي نحو سياسات أكثر يمينية، خصوصاً في ملفات الهجرة والتنظيمات البيئية والاقتصاد.
وفي مقابلة مع صحيفة “فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ” الألمانية، ألمح بارديلا إلى هذا الطموح، قائلاً إن فرنسا وألمانيا، بدعم من إيطاليا، يمكنها تطوير أشكال جديدة من التعاون بشأن ملف الهجرة.
وتتزايد أهمية بارديلا داخل الحزب مع اقتراب قرار قضائي حاسم بشأن إمكانية ترشح زعيمة الحزب التاريخية مارين لوبان للانتخابات الرئاسية المقبلة.
ومن المقرر أن تنظر محكمة الاستئناف الفرنسية في يوليو/تموز المقبل في أهلية لوبان للترشح، بينما يُنظر إلى بارديلا باعتباره “الخطة البديلة الرسمية” للحزب في حال مُنعت لوبان من خوض السباق الرئاسي.
ويُنظر إلى بارديلا داخل الأوساط السياسية والاقتصادية على أنه أكثر انفتاحاً على اقتصاد السوق وأقل عدائية تجاه المؤسسات الأوروبية مقارنة بمارين لوبان، التي اشتهرت سابقاً بمواقفها الداعية للخروج من منطقة اليورو.
ويؤكد مسؤولو حزب التجمع الوطني أنهم قادرون على بناء قنوات عمل مع حزب الشعب الأوروبي، الذي يضم الأحزاب الديمقراطية المسيحية المحافظة في أوروبا، رغم الخلافات السياسية العميقة.
وأشار مسؤولون في الحزب إلى وجود تعاون بالفعل داخل البرلمان الأوروبي بشأن قضايا مثل تقليص البيروقراطية الأوروبية والحد من القوانين البيئية التي يعتبرها اليمين “عقابية”.
وقال بارديلا إن العلاقات الفرنسية الألمانية تظل “أساس أوروبا”، معتبراً أنها ضرورية لضمان الاستقلال الاستراتيجي للدول الأوروبية.
كما يرى مسؤولو التجمع الوطني أن ابتعاد حزبهم عن حزب البديل من أجل ألمانيا قد يجعلهم أكثر قبولاً لدى المحافظين الألمان.
وقال فابريس ليجيري، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب التجمع الوطني، إن الحزب قادر على “التحدث مع الجميع”، واصفاً دوره بأنه جسر بين مختلف القوى اليمينية داخل البرلمان الأوروبي.
وبالتوازي مع تحركاته نحو ألمانيا، يعمل بارديلا أيضاً على بناء علاقات مع شخصيات يمينية دولية بارزة، من بينها الزعيم البريطاني الشعبوي نايجل فاراج، الذي هنأه مؤخراً على نجاحاته السياسية.
كما قام بارديلا العام الماضي بزيارة إلى إسرائيل، في خطوة وُصفت بالتاريخية لحزب لطالما ارتبط اسمه باتهامات معاداة السامية.
والتقى بارديلا ومارين لوبان أيضاً بالسفير الأمريكي في باريس تشارلز كوشنر، في إطار جهود الحزب لتوسيع شبكة علاقاته الدولية وتقديم نفسه باعتباره قوة سياسية قابلة للتعامل على المستوى الغربي.



