أكبر اقتصادات أوروبا تتحرك لكسر هيمنة وول ستريت عبر مشروع مالي ضخم

تستعد أكبر ست دول اقتصادية في الاتحاد الأوروبي لإطلاق خطة واسعة تهدف إلى إعادة تشكيل الأسواق المالية الأوروبية ومنافسة هيمنة وول ستريت، في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوروبا من تراجع قدرتها الاقتصادية أمام الولايات المتحدة والصين.
وتعمل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وبولندا على إعداد تسوية سياسية جديدة لتعميق أسواق رأس المال الأوروبية وتحويل التكتل إلى قوة استثمارية عالمية.
ومن المقرر أن يجتمع وزراء مالية الدول الست في العاصمة الألمانية برلين في 28 مايو للكشف عن البيان السياسي الجديد، الذي يُتوقع أن يتضمن خطوات مثيرة للجدل تتعلق بتوحيد الرقابة المالية الأوروبية.
ووفقاً لدبلوماسيين مطلعين على المفاوضات، تبحث الدول الأوروبية الكبرى استحداث منصب رقابي أوروبي موحد للإشراف على الأسواق المالية، وهي خطوة تواجه اعتراضات قوية من بعض الدول الأصغر مثل أيرلندا ولوكسمبورغ التي ترفض نقل مزيد من الصلاحيات إلى بروكسل.
ويأتي هذا التحرك بعد سنوات طويلة من فشل الاتحاد الأوروبي في بناء اتحاد متكامل لأسواق رأس المال، بسبب الانقسامات السياسية وتمسك الحكومات بحماية قطاعاتها المالية الوطنية.
لكن التوترات الجيوسياسية والحرب في أوكرانيا والأزمات الاقتصادية المتلاحقة دفعت العواصم الأوروبية الكبرى إلى إعادة إحياء المشروع باعتباره ضرورة استراتيجية لمستقبل الاتحاد.
وقال متحدث باسم وزارة المالية الألمانية إن وزراء مالية الدول الست يعملون على تسريع الجهود لتعزيز “القدرة التنافسية والدفاعية لأوروبا”.
ويخشى صناع القرار الأوروبيون من استمرار هجرة الشركات الناشئة والاستثمارات نحو الولايات المتحدة، في ظل تفوق الأسواق المالية الأمريكية وقدرتها على جذب التمويل ورؤوس الأموال العالمية.
كما ترى بروكسل أن أوروبا باتت متأخرة بشكل واضح عن واشنطن وبكين في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والدفاع، ما يهدد مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية.
وتحاول المفوضية الأوروبية منذ أكثر من عقد إنشاء اتحاد متكامل لأسواق رأس المال، لكنها واجهت مقاومة مستمرة من الدول الأعضاء التي تخشى فقدان السيطرة على قطاعاتها المصرفية والمالية.
وأعادت بروكسل مؤخراً تسمية المشروع إلى “اتحاد المدخرات والاستثمارات”، في محاولة لمنحه زخماً سياسياً جديداً.
ويأمل المسؤولون الأوروبيون في جذب جزء من المدخرات الضخمة الموجودة داخل الاتحاد نحو الأسواق المالية، بدلاً من بقائها مجمدة في الحسابات المصرفية.
وتشير التقديرات إلى أن مواطني الاتحاد الأوروبي يحتفظون بنحو 11 تريليون يورو نقداً في البنوك بدلاً من استثمارها في الأسهم والمشاريع الأوروبية.
كما تسعى أوروبا إلى تعبئة رؤوس الأموال الخاصة للمساعدة في تمويل خطط تحديث الاقتصاد وتعزيز القدرات الدفاعية في مواجهة التهديدات الروسية، وهي مشاريع قد تكلف نحو 800 مليار يورو سنوياً.
وفي ظل تعثر التقدم داخل الاتحاد ككل، بدأت بعض الدول الأوروبية الكبرى تطرح فكرة “أوروبا متعددة السرعات”، عبر السماح لمجموعات أصغر من الدول بالمضي نحو تكامل مالي أعمق بشكل منفصل.
لكن هذه المقاربة أثارت مخاوف دول مثل أيرلندا والبرتغال، التي تخشى أن تقوم القوى الأوروبية الكبرى بفرض رؤيتها الاقتصادية على بقية الدول الأعضاء.
ورغم ذلك، يقلل دبلوماسيون من دول مجموعة “E6” من هذه المخاوف، مؤكدين أن تكامل الأسواق المالية أصبح مسألة حيوية لضمان قدرة أوروبا على المنافسة عالمياً.
كما تبحث الدول الست ملفات حساسة تشمل إدارة الأصول، وتنظيم التداولات المالية، والعملات المشفرة، وهيكل الرقابة داخل هيئة تنظيم الأوراق المالية الأوروبية.
وفي هذا السياق، تدفع فرنسا وإسبانيا نحو فرض شفافية أكبر على منصات التداول الخاصة التي تستخدمها بنوك استثمارية عملاقة مثل جي بي مورغان وغولدمان ساكس لإدارة التداولات الأوروبية انطلاقاً من لندن.
وترى باريس ومدريد أن توسع ما يعرف بـ”التداول الخفي” يضعف شفافية الأسواق الأوروبية ويقوض دور البورصات التقليدية، بينما تستفيد المؤسسات المالية الأمريكية الكبرى من الثغرات التنظيمية القائمة.
ويرى مراقبون أن المشروع الأوروبي الجديد يمثل محاولة استراتيجية لتقليص التبعية المالية لأمريكا، وبناء بنية استثمارية قادرة على منافسة النفوذ المالي الأمريكي والصيني خلال السنوات المقبلة.



