رئيسيمال و أعمال

 بنوك بريطانيا تضغط لانتزاع دور في مفاوضات ما بعد بريكست وإنهاء عزلة لندن المالية

طالبت كبرى المؤسسات المصرفية البريطانية بمنح قطاع الخدمات المالية مقعداً رئيسياً في مفاوضات إعادة ترتيب العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعد عقد من استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد، وسط مخاوف من استمرار تراجع نفوذ مدينة لندن كمركز مالي عالمي.

وتسعى البنوك البريطانية إلى استغلال جهود رئيس الوزراء كير ستارمر لإعادة ضبط العلاقات مع بروكسل، للدفع نحو إدراج الملف المالي ضمن المحادثات السياسية المقبلة، بعدما بقي القطاع لسنوات خارج أولويات المفاوضات بين الجانبين.

وأكدت منظمة “يو كيه فاينانس”، التي تمثل المصارف والمؤسسات المالية البريطانية، أن الوقت حان لتغيير طريقة التعامل مع هذا الملف، مشيرة إلى أن الخدمات المالية لم تكن حتى الآن جزءاً أساسياً من إعادة بناء العلاقة الاستراتيجية بين لندن والاتحاد الأوروبي.

ويأتي التحرك الجديد قبل قمة مرتقبة بين ستارمر ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في محاولة لإعادة صياغة التعاون بين الطرفين بعد سنوات من التوتر الذي أعقب تنفيذ بريكست.

ورغم أن قطاع الخدمات المالية يعد أحد أهم محركات الاقتصاد البريطاني ومصدراً رئيسياً للدخل والوظائف، فإنه كان من أكثر القطاعات تأثراً بالخروج من الاتحاد الأوروبي، بعدما فقدت شركات لندن قدرتها السابقة على تقديم خدمات مباشرة داخل السوق الأوروبية الموحدة.

وقبل تنفيذ بريكست، كانت المؤسسات المالية البريطانية تأمل بالحفاظ على جزء كبير من امتيازاتها داخل الاتحاد الأوروبي عبر الاعتراف بتقارب القواعد التنظيمية بين الطرفين، إلا أن اتفاق التجارة الموقع عام 2020 استبعد القطاع المالي بشكل شبه كامل.

وأدى ذلك إلى فقدان البنوك والشركات المالية البريطانية وصولاً واسعاً إلى العملاء الأوروبيين، ما دفع عدداً من المؤسسات إلى نقل بعض عملياتها وموظفيها إلى مدن أوروبية لضمان استمرار العمل داخل الاتحاد.

وتفاقمت الأزمة بسبب الخلافات السياسية بين لندن وبروكسل، خصوصاً بشأن ملف أيرلندا الشمالية، ما جعل الاتحاد الأوروبي يرفض لسنوات فتح نقاش واسع حول مستقبل الخدمات المالية.

ومع تحسن العلاقات تدريجياً خلال حكومة ريشي سوناك السابقة، ثم وصول حكومة العمال بقيادة ستارمر، عاد القطاع المالي البريطاني للمطالبة باتفاق أكثر طموحاً.

وتدعو البنوك البريطانية الآن إلى إقامة شراكة استراتيجية حقيقية في مجال الخدمات المالية، بدلاً من الاكتفاء بمنتديات تقنية محدودة بين المسؤولين.

وقالت كيرستين ماثياس، مديرة الشؤون الدولية في “يو كيه فاينانس”، إن تحسين التعاون يمكن أن يحقق مكاسب للطرفين، موضحة أن إزالة العقبات الحالية ستساعد الاقتصادات والشركات والعملاء في بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

وتطالب المؤسسات المالية بخطوات عاجلة تشمل تمديد وصول غرف المقاصة البريطانية إلى السوق الأوروبية بصورة دائمة، بعدما كانت هذه القضية واحدة من أبرز نقاط الخلاف عقب بريكست.

كما تدعو إلى تشكيل مجموعات عمل متخصصة للتنسيق بين الجانبين بشأن القواعد المالية، بدلاً من الاكتفاء بالحوار دون نتائج عملية.

وتضغط البنوك أيضاً من أجل اعتراف أوروبي بأن القواعد البريطانية تعادل المعايير الأوروبية في مجالات مثل متطلبات رأس المال، معتبرة أن هذه الخطوة ستوفر مرونة أكبر للمؤسسات المالية داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.

وعلى المدى الطويل، يدعم القطاع المالي البريطاني التوصل إلى معاهدة ثنائية تعتمد على الاعتراف المتبادل بالقواعد، بما يسمح بتوسيع تجارة الخدمات المالية عبر الحدود.

ويرى داعمو هذه الخطوة أنها قد تتماشى مع جهود أوروبية أوسع لتعزيز أسواق رأس المال وجذب المزيد من الاستثمارات في ظل تباطؤ اقتصادي تواجهه عدة دول أوروبية.

لكن فرص تحقيق اختراق سريع ما زالت غير مؤكدة، إذ لم تقدم بروكسل حتى الآن إشارات واضحة على استعدادها لمنح لندن امتيازات جديدة في مجال الخدمات المالية.

وتأتي التحركات البريطانية أيضاً في ظل تحديات سياسية داخلية تواجه حكومة ستارمر، ما يثير مخاوف من أن تؤدي الاضطرابات السياسية مجدداً إلى تعطيل خطط إعادة بناء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

وبعد سنوات من خسارة النفوذ عقب بريكست، تأمل بنوك لندن أن تمنحها المرحلة الجديدة فرصة لاستعادة جزء من دورها الأوروبي، لكن السياسة قد تبقى العقبة الأكبر أمام عودة المدينة المالية إلى موقعها السابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى