الاتحاد الأوروبي يشدد قبضته على الدول غير الملتزمة بالمعايير الديمقراطية

تستعد حكومات الاتحاد الأوروبي للحصول على صلاحيات أوسع تسمح لها بوقف مدفوعات من ميزانية التكتل للدول الأعضاء التي لا تلتزم بالمعايير الديمقراطية، في خطوة جديدة تهدف إلى مواجهة التراجع في سيادة القانون والحريات داخل الاتحاد.
وبموجب القواعد الجديدة، سيكون بإمكان أغلبية من الدول الأعضاء منع صرف الأموال الأوروبية للعواصم التي تُتهم بانتهاك مبادئ الديمقراطية، بما في ذلك استقلال القضاء وحرية الإعلام واحترام المؤسسات.
ومن المنتظر أن يوافق وزراء الشؤون الأوروبية على التعديلات خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ، بعد اتفاق سفراء الدول الأعضاء الـ27 على آلية جديدة تربط الوصول إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي المقبلة، التي تبلغ نحو تريليوني يورو وتمتد لسبع سنوات ابتداءً من عام 2028، بمدى احترام الحكومات للقيم الديمقراطية.
ويمثل الاتفاق تحولًا مهمًا في طريقة تعامل الاتحاد الأوروبي مع الدول التي تواجه اتهامات بالتراجع الديمقراطي، إذ ينقل جزءًا من سلطة اتخاذ القرار من المفوضية الأوروبية إلى حكومات الدول الأعضاء داخل المجلس الأوروبي.
ويأتي التوافق الأوروبي الجديد بعد تغير المشهد السياسي في المجر عقب خروج رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان من السلطة، بعدما كان أحد أبرز المعارضين لمحاولات بروكسل تشديد العقوبات المالية المرتبطة بسيادة القانون.
وخلال سنوات حكمه الطويلة، استخدم أوربان حق النقض مرارًا لمنع تمرير إجراءات أوروبية تستهدف الدول المتهمة بإضعاف المؤسسات الديمقراطية، مستفيدًا من حاجة بعض القرارات إلى إجماع كامل بين أعضاء الاتحاد.
لكن الاتفاق الجديد يعكس رغبة متزايدة داخل الاتحاد في بناء آلية أكثر فاعلية تمنع أي حكومة من تعطيل الإجراءات الرامية إلى حماية المعايير الأوروبية.
وبحسب النص الجديد، ستمنح صلاحيات تنفيذية أكبر للمجلس الأوروبي الذي يمثل الحكومات الوطنية، على أن يتحرك بناءً على مقترحات تقدمها المفوضية الأوروبية.
وتملك المفوضية الأوروبية حاليًا صلاحية تجميد أو الإفراج عن الأموال المخصصة للدول الأعضاء عندما ترى وجود انتهاكات مرتبطة بسيادة القانون.
لكن هذه الصلاحيات أثارت خلافات سياسية، خصوصًا بعد قرار المفوضية عام 2023 الإفراج عن نحو 10 مليارات يورو كانت مخصصة للمجر بعد تجميدها بسبب مخاوف تتعلق باستقلال القضاء.
وتعرض القرار حينها لانتقادات واسعة، خاصة بعدما اعتبر مستشار قانوني بارز في محكمة العدل الأوروبية أن الإفراج عن الأموال جاء قبل تنفيذ الإصلاحات المطلوبة بشكل كامل.
وبموجب النظام الجديد المقترح للفترة المالية الممتدة من 2028 إلى 2034، سيكون بإمكان أغلبية مؤهلة من الحكومات الوطنية رفض قرارات المفوضية المتعلقة بتجميد أو إعادة صرف الأموال خلال فترة محددة.
وتضغط دول شمال أوروبا منذ فترة من أجل تشديد الربط بين أموال الاتحاد الأوروبي واحترام مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون.
وبموجب التعديلات الجديدة، ستصبح جميع المدفوعات الأوروبية تقريبًا، بما في ذلك الدعم الزراعي والمساعدات التنموية، مرتبطة بمدى التزام الحكومات بالقواعد الديمقراطية.
وحقق هذا التوجه انتصارًا مهمًا بعد حذف بند كان يسمح للدول المخالفة باستعادة جزء من الأموال المجمدة حتى مع استمرار الخلافات بشأن سيادة القانون.
ويرى مؤيدو الخطوة أن أموال دافعي الضرائب الأوروبيين يجب ألا تستخدم لدعم حكومات تقوض المؤسسات الديمقراطية أو تفرض قيودًا على الإعلام والقضاء.
لكن الخطة لم تمر دون اعتراضات، إذ شهدت المفاوضات خلافًا حول كيفية تحديد ما إذا كانت دولة ما تنتهك قواعد سيادة القانون.
وطالبت بعض الحكومات بتقليل الاعتماد على التقرير السنوي للمفوضية الأوروبية بشأن حالة الديمقراطية داخل الدول الأعضاء.
وكانت إيطاليا من أبرز الدول التي ضغطت لتقليص دور هذا التقرير في اتخاذ قرارات تجميد الأموال.
وانتقدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني منح التقرير تأثيرًا مباشرًا على قرارات مالية كبرى، معتبرة أنه لا ينبغي لوثيقة إدارية أن تكون أساسًا لمنع التمويل عن دولة عضو دون نقاش سياسي وقانوني كاف.
وجاء موقف ميلوني بعدما أثار تقرير سابق للمفوضية الأوروبية مخاوف بشأن وضع حرية الصحافة في إيطاليا.
ورغم استمرار الخلافات، يمثل الاتفاق الجديد خطوة رئيسية نحو إعادة تشكيل العلاقة بين التمويل الأوروبي والالتزام بالقيم السياسية الأساسية للتكتل.
ويرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي يدخل مرحلة أكثر صرامة، حيث لم تعد العضوية وحدها ضمانًا للحصول على الأموال، بل أصبح احترام قواعد الديمقراطية شرطًا أساسيًا للوصول إلى مليارات اليوروهات.



