فرنسا تطالب بانسحاب أمريكي “منظم” من أوروبا وتحذر من فراغ دفاعي داخل الناتو

دعت فرنسا الولايات المتحدة إلى تنفيذ أي تقليص محتمل لوجودها العسكري في أوروبا بطريقة تدريجية ومنسقة، وسط قلق أوروبي متزايد من قرارات أمريكية مفاجئة بشأن القوات والمعدات المنتشرة في القارة.
وقالت نائبة وزير الدفاع الفرنسية أليس روفو إن باريس لا تعارض إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي، لكنها تريد أن تتم العملية وفق خطة واضحة تمنع حدوث فجوات أمنية داخل أوروبا.
وأضافت روفو، في تصريحات لموقع “بوليتيكو” عقب اجتماعها مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو” مارك روته في بروكسل: “نريد أن يتم التحول الأمريكي بطريقة منظمة ومنسقة وفعالة لتجنب خلق معضلات للأوروبيين”.
وأكدت المسؤولة الفرنسية، التي تجري اتصالات منتظمة مع نظيرها الأمريكي إلبريدج كولبي، أن العلاقات عبر الأطلسي تمر بمرحلة من التقلب، داعية الدول الأوروبية إلى التعامل مع الوضع بعيداً عن المبالغة أو تجاهل المخاطر.
وقالت: “بالنظر إلى التقلبات الشديدة في العلاقات عبر الأطلسي، يجب علينا تجنب كل من التهويل والإنكار”.
وتأتي التصريحات الفرنسية بعد سلسلة قرارات وتحركات أمريكية أثارت قلق عدد من الحلفاء الأوروبيين بشأن مستقبل الالتزام الدفاعي الأمريكي تجاه القارة.
وكان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قد أعلن مراجعة تستمر ستة أشهر للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، في خطوة جاءت وسط ضغوط متزايدة من واشنطن على الحلفاء لزيادة مساهمتهم الدفاعية.
كما أثارت الإدارة الأمريكية جدلاً بعدما لوحت بتقليص بعض القوات والأصول العسكرية في أوروبا، في ظل خلافات مع عدد من العواصم الأوروبية بشأن ملفات دولية، بينها الحرب مع إيران.
وشهدت الفترة الأخيرة ارتباكاً بشأن بعض القرارات الأمريكية، إذ فوجئت بولندا بإلغاء خطط مرتبطة بانتشار قوات أمريكية قبل أن تتراجع واشنطن لاحقاً عن القرار.
كما أبلغت الولايات المتحدة حلفاءها بأنها ستخفض تدريجياً بعض القدرات العسكرية المخصصة للناتو، بينها القاذفات الاستراتيجية والطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة والغواصات والسفن الحربية.
وتطالب عدة دول أوروبية، بينها ألمانيا وفرنسا، بالحصول على جدول زمني واضح لأي تغييرات أمريكية، حتى تتمكن أوروبا من تنظيم عملية انتقال دفاعية دون إضعاف قدرات الحلف.
ومن المتوقع أن يكون ملف “تقاسم الأعباء” محوراً رئيسياً في قمة الناتو المقبلة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، حيث سيبحث القادة كيفية تولي الأوروبيين دوراً أكبر في الدفاع عن القارة مع توجه الولايات المتحدة نحو أولويات استراتيجية أخرى.
وتعد فرنسا واحدة من ثلاث دول نووية داخل الناتو، ولا تستضيف قوات أمريكية دائمة على أراضيها منذ ستينيات القرن الماضي، لذلك لن تتأثر مباشرة بأي خفض للانتشار الأمريكي.
لكن باريس تشارك بقوة في خطط الدفاع الجماعي للحلف، ومن المتوقع أن تزيد مساهمتها لتعويض أي تراجع محتمل في القدرات الأمريكية داخل أوروبا.
وقالت روفو إنها تتوقع عودة حجم القوات الأمريكية في أوروبا إلى المستويات التي كانت قائمة قبل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.
وأوضحت أن التحدي الحقيقي أمام الأوروبيين لن يكون استبدال كل قطعة سلاح أمريكية بأخرى أوروبية، بل تعويض القدرات الاستراتيجية الأساسية التي تعتمد عليها القارة بشكل كبير.
وتشمل هذه القدرات النقل العسكري الجوي والبحري، والتزود بالوقود في الجو، والاستخبارات، وأنظمة الفضاء والمراقبة.
وقالت المسؤولة الفرنسية: “ليس من المنطقي استبدال القدرات الأمريكية بقدرات مطابقة، لأن الأوروبيين لا يخوضون الحروب بالطريقة نفسها التي يخوضها الأمريكيون”.
وترى باريس أن أوروبا بحاجة إلى تطوير نموذج دفاعي خاص بها يقوم على المرونة وسرعة التحرك بدلاً من محاولة نسخ النموذج العسكري الأمريكي.
ويشير مسؤولون فرنسيون إلى تجربة فنلندا باعتبارها نموذجاً لكيفية تعزيز الردع العسكري بعدد أقل من القوات المنتشرة بشكل دائم، من خلال الاعتماد على التدريبات والاستعداد السريع.
وفي الوقت نفسه، حذرت روفو من تصاعد الخلافات بين الدول الأوروبية نفسها بشأن الإنفاق العسكري، مؤكدة أن التركيز يجب أن يكون على القدرات الفعلية وليس فقط الأرقام المالية.
وقالت: “من المهم تجنب تبادل الاتهامات بين الأوروبيين. ما يهم هو النتائج العسكرية الحقيقية”.
وكان قادة الناتو قد اتفقوا سابقاً على رفع الإنفاق الدفاعي تدريجياً، لكن النقاش الحالي يكشف حجم التحدي الذي تواجهه أوروبا في بناء قدرة دفاعية أكبر في مرحلة قد تشهد تراجعاً تدريجياً للدور العسكري الأمريكي التقليدي.
وأكدت روفو أن أوروبا قادرة على تحمل مسؤوليات أكبر، قائلة: “لدينا الكثير مما يثبت أن الأوروبيين قادرون ويعرفون ما يفعلونه”.


