اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن يواجه اختبار التنفيذ بعد عام من إعلانه

أظهرت حصيلة مرور عام على الاتفاق التجاري الذي أبرمه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن عدداً من أبرز التعهدات التي تضمنها لا يزال بعيداً عن التنفيذ، وسط تصاعد الشكوك بشأن قدرة الطرفين على الوفاء بالتزاماتهما في ظل استمرار الخلافات التجارية والتقلبات السياسية.
وجاء الاتفاق، الذي أُعلن عقب لقاء جمع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اسكتلندا خلال يوليو 2025، بهدف تهدئة النزاعات التجارية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين، من خلال خفض الرسوم الجمركية وتوسيع الاستثمارات والتعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ورغم تأكيد بروكسل استمرار التزامها بالاتفاق، تشير التقديرات إلى أن عدداً من الوعود الرئيسية يواجه صعوبات كبيرة في التطبيق، بينما تبدو بعض الالتزامات غير قابلة للتحقيق عملياً.
وأكد مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش أن الشراكة الاقتصادية عبر الأطلسي لا تزال تمثل ركناً أساسياً لاقتصادي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مشدداً على أن استمرارها يتطلب التزام الطرفين بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه ومعالجة الخلافات بصورة عملية ومتوازنة.
ويبرز ملف الرسوم الجمركية باعتباره أكثر بنود الاتفاق حساسية، إذ نص التفاهم على ألا تتجاوز الرسوم الأمريكية المفروضة على السلع الأوروبية سقف 15%، مقابل تقديم الاتحاد الأوروبي سلسلة من التنازلات التجارية والتنظيمية.
غير أن هذا الترتيب تعرض لضغوط متزايدة بعد قرار المحكمة العليا الأمريكية إلغاء الرسوم الجمركية المتبادلة التي فرضتها إدارة ترامب، ما دفع واشنطن إلى فتح تحقيقات تجارية جديدة بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأمريكي، الأمر الذي أثار مخاوف من فرض رسوم إضافية قد تتجاوز السقف المتفق عليه.
كما زادت التحقيقات الأمريكية المتعلقة بسياسات تسعير الأدوية في ألمانيا، إلى جانب احتمالات فتح ملفات تخص ضرائب الخدمات الرقمية في عدد من الدول الأوروبية، من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاتفاق.
وفي المقابل، تواصل المفوضية الأوروبية التفاوض مع واشنطن لخفض الرسوم المفروضة على صادرات أوروبية تقدر قيمتها بنحو 115 مليار يورو، تشمل الأجهزة الطبية والنبيذ والمشروبات الروحية والبيرة والجبن وزيت الزيتون.
ويعد ملف الطاقة والاستثمارات من أكثر بنود الاتفاق إثارة للجدل، بعدما تعهد الاتحاد الأوروبي بزيادة مشتريات الغاز الطبيعي المسال والنفط ومنتجات الطاقة النووية الأمريكية بقيمة 750 مليار دولار حتى عام 2028، إلى جانب استثمارات أوروبية إضافية في الولايات المتحدة بقيمة 600 مليار دولار.
إلا أن مسؤولين أوروبيين أقروا بأن هذه الأرقام تستند إلى توقعات وتقديرات وليست التزامات قانونية، موضحين أن المفوضية الأوروبية لا تملك صلاحية إلزام الشركات الخاصة بالاستثمار أو شراء الطاقة، إذ تبقى هذه القرارات بيد القطاع الخاص.
ورغم ارتفاع واردات الاتحاد الأوروبي من الطاقة الأمريكية خلال العام الماضي، مدفوعة بالسعي إلى تقليص الاعتماد على الإمدادات الروسية، فإن وتيرة الزيادة الحالية لا تزال بعيدة عن تحقيق الرقم المستهدف خلال المهلة المحددة.
وأظهرت بيانات التجارة الأوروبية أن واردات الاتحاد من النفط والغاز الأمريكيين بلغت نحو 15 مليار دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، وهو معدل يشير إلى أن الوصول إلى مستوى 750 مليار دولار سيستغرق سنوات أطول بكثير من الإطار الزمني المنصوص عليه في الاتفاق.
كما يواجه التعاون في الملفات البيئية تحديات متزايدة، بعدما التزم الاتحاد الأوروبي بمراجعة بعض القوانين التي أثارت اعتراضات أمريكية، وفي مقدمتها اللائحة الأوروبية الخاصة بمنع استيراد المنتجات المرتبطة بإزالة الغابات، وآلية تعديل الكربون على الحدود، إضافة إلى قواعد الاستدامة المفروضة على الشركات.
وأجرت المفوضية الأوروبية تعديلات محدودة على بعض التشريعات البيئية بهدف تقليل الأعباء الإدارية، إلا أنها رفضت إدخال تغييرات جوهرية على قواعد تتبع سلاسل التوريد أو منح إعفاءات كاملة للشركات الأمريكية، وهو ما أبقى جانباً مهماً من الخلافات قائماً بين الطرفين.
ويرى مراقبون أن مستقبل الاتفاق سيظل مرتبطاً بقدرة الجانبين على احتواء الخلافات التجارية المتجددة، في ظل استمرار التحقيقات الأمريكية واتساع الضغوط التي تواجهها الحكومات الأوروبية، فضلاً عن اختلاف أولويات الطرفين في ملفات التجارة والطاقة والبيئة.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الاتفاق التجاري، الذي رُوج له بوصفه بداية مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، يواجه اختباراً حقيقياً بعد عام من توقيعه، مع استمرار تعثر تنفيذ عدد من أبرز بنوده وبقاء مستقبل بعض الالتزامات مرهوناً بالتطورات السياسية والاقتصادية خلال الفترة المقبلة.



