الاتحاد الأوروبي يتجه لتخفيف القيود المصرفية لتعزيز القدرة التنافسية ومواجهة تفوق البنوك الأمريكية

تستعد المفوضية الأوروبية لإطلاق حزمة إصلاحات مصرفية تهدف إلى تخفيف القيود التنظيمية المفروضة على البنوك الأوروبية، في خطوة تستهدف تعزيز قدرتها التنافسية أمام المؤسسات المالية الأمريكية، وسط مخاوف متزايدة من اتساع الفجوة بين القطاعين المصرفيين في ضفتي الأطلسي.
وتعتزم المفوضية نشر تقرير يتضمن خطة لإزالة عدد من القيود الإدارية والتنظيمية التي ترى أنها تحد من قدرة البنوك الأوروبية على النمو وتمويل الاقتصاد، وذلك ضمن توجه أوسع يركز على تعزيز التنافسية الاقتصادية للاتحاد الأوروبي.
ويأتي التحرك الأوروبي في ظل تزايد الضغوط السياسية والاقتصادية لإعادة النظر في القواعد المصرفية، بعدما اتجهت الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تخفيف عدد من المتطلبات التنظيمية المفروضة على المؤسسات المالية، بما في ذلك قواعد رأس المال.
وتشير مسودات التقرير إلى أن بروكسل تدرس اعتماد نهج أكثر مرونة في تطبيق القواعد المصرفية، مع مراجعة آلية احتساب متطلبات رأس المال التي تلزم البنوك بالاحتفاظ باحتياطيات مالية لمواجهة الأزمات، إضافة إلى بحث تعديل القيود المفروضة على مكافآت كبار المصرفيين.
كما تتضمن الخطة منح الجهات الرقابية المصرفية دوراً أكبر في دعم القدرة التنافسية للقطاع المالي، إلى جانب مسؤوليتها التقليدية في الحفاظ على الاستقرار المالي، بما يعكس تحولاً في أولويات السياسة الاقتصادية الأوروبية.
وأفادت مصادر أوروبية بأن كبار المسؤولين في مكتب رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين شاركوا بصورة مباشرة في إعداد الصيغة النهائية للخطة، بهدف جعلها أكثر دعماً للمؤسسات المالية وأكثر تركيزاً على تعزيز النمو الاقتصادي مقارنة بالمسودات السابقة.
ويرحب القطاع المصرفي الأوروبي بهذه التوجهات، معتبراً أن تخفيف القيود سيمكن البنوك من توجيه موارد مالية أكبر نحو الإقراض والاستثمار، بما يدعم الشركات والأفراد ويحفز النشاط الاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، تبدي منظمات حماية المستهلكين وبعض الجهات الرقابية تحفظات على هذه الخطوة، محذرة من أن تقليص متطلبات رأس المال قد يزيد من هشاشة القطاع المصرفي ويضعف قدرته على مواجهة الأزمات المالية المستقبلية.
ويستند مؤيدو الإصلاح إلى مؤشرات تظهر تراجع القدرة التنافسية للبنوك الأوروبية مقارنة بنظيراتها الأمريكية، رغم تحقيقها أرباحاً قوية خلال السنوات الأخيرة.
وتشير التقديرات إلى أن القيمة السوقية لأكبر بنك أمريكي، “جي بي مورغان”، تتجاوز القيمة السوقية المجمعة لأكبر عشرة بنوك في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعده صناع القرار في بروكسل دليلاً على الحاجة إلى إصلاحات هيكلية تعزز قدرة البنوك الأوروبية على التوسع والنمو.
ودعا رئيس الوزراء الإيطالي السابق إنريكو ليتا إلى إعادة هيكلة السوق المصرفية الأوروبية بما يسمح بعمليات اندماج عابرة للحدود، معتبراً أن البنوك الأوروبية لا تزال تعمل ضمن أسواق وطنية مجزأة تحد من قدرتها على المنافسة العالمية.
كما شدد على ضرورة منح الجهات الرقابية تفويضاً لا يقتصر على حماية الاستقرار المالي، بل يشمل أيضاً دعم النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية للقطاع المصرفي.
من جانبه، أكد نائب رئيس البرلمان الأوروبي السابق أوتمار كاراس أن الاتحاد الأوروبي يواجه ضغوطاً متزايدة للحفاظ على قدرته التنافسية، داعياً إلى اتخاذ إجراءات سريعة لتطوير السوق الموحدة وتعزيز النمو.
وفي يونيو الماضي، طالبت حكومات فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، في ورقة مشتركة، بتهيئة بيئة تنظيمية تسمح للبنوك بالعمل بحرية أكبر في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن نجاح مشروع السوق الموحدة للاستثمار يتطلب إزالة العوائق التي تحد من توسع المؤسسات المالية عبر الحدود.
كما سبق لرئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي أن خلص في تقرير حول مستقبل السوق الموحدة الأوروبية إلى أن انخفاض الربحية وارتفاع التكاليف وصغر حجم البنوك الأوروبية مقارنة بالمؤسسات الأمريكية يقلص قدرتها على تمويل الاستثمارات الكبرى.
ويتركز جانب مهم من النقاش الحالي على كيفية تطبيق إصلاحات لجنة بازل الدولية للرقابة المصرفية، التي تحدد المعايير العالمية لمتطلبات رأس المال، بعدما قررت الولايات المتحدة في مارس الماضي اعتماد تطبيق أكثر مرونة لهذه القواعد، عقب ضغوط مكثفة من القطاع المصرفي.
وترى البنوك الأوروبية أن استمرار العمل بقواعد أكثر تشدداً داخل الاتحاد الأوروبي سيضعها في موقف تنافسي أضعف مقارنة بالمؤسسات الأمريكية، ما دفعها إلى تكثيف مطالبها بإجراء تعديلات تمنحها هامشاً أكبر للإقراض والاستثمار.
ومن المتوقع أن يفتح التقرير الأوروبي باب نقاش واسع بين الحكومات الأوروبية والبرلمان والجهات الرقابية بشأن مستقبل التنظيم المصرفي، في ظل سعي الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على الاستقرار المالي وتعزيز قدرة بنوكه على المنافسة في الأسواق العالمية وتمويل النمو الاقتصادي.



