أخبار العالمرئيسي

أزمة المواليد تهدد الغرب.. تراجع الخصوبة يضع أنظمة التقاعد والاقتصاد أمام اختبار صعب

تواجه الدول الغربية أزمة ديموغرافية متصاعدة مع استمرار انخفاض معدلات المواليد إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل أسواق العمل وأنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية، في ظل تراجع أعداد الشباب وارتفاع نسبة كبار السن داخل المجتمعات الأوروبية والأمريكية.

وتشير بيانات تقرير لصحيفة بوليتيكو، إلى أن معدل الخصوبة في الاتحاد الأوروبي انخفض إلى 1.34 طفل لكل امرأة، بينما سجلت إسبانيا أحد أدنى المعدلات بين الدول الأوروبية الكبرى عند 1.1 طفل فقط، في حين تراجع المعدل في الولايات المتحدة إلى 1.6 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 طفل اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان دون الاعتماد على الهجرة.

ويبرز التقرير قرية “فيلارديفوس” شمال إسبانيا باعتبارها نموذجًا لما قد تواجهه أوروبا خلال العقود المقبلة، إذ لم يعد عدد الأطفال فيها يتجاوز عشرات قليلة، بينما يشكل كبار السن الغالبية الساحقة من السكان، الأمر الذي انعكس على المدارس والمرافق العامة، مع إغلاق العديد من المنازل وانتشار لافتات البيع في القرية.

وأصبحت المدارس من أكثر القطاعات تأثرًا بهذا التحول، إذ تضم إحدى المدارس التي أنشئت لاستيعاب نحو 700 تلميذ، 31 طالبًا فقط، ما اضطر المعلمين إلى دمج أكثر من صف دراسي داخل الفصل نفسه بسبب قلة أعداد التلاميذ.

ويرى التقرير أن انخفاض معدلات الإنجاب لم يعد قضية اجتماعية فحسب، بل تحول إلى تحدٍ اقتصادي وسياسي، لأن أنظمة الرفاه الحديثة تعتمد على وجود أعداد كافية من العاملين لتمويل معاشات المتقاعدين والرعاية الصحية، بينما يؤدي تراجع المواليد إلى تقلص القوى العاملة بالتزامن مع ارتفاع أعداد كبار السن الخارجين من سوق العمل.

ويؤكد باحثون أن الأزمة لا تعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة عوامل متداخلة، تشمل ارتفاع أسعار السكن، وزيادة تكاليف المعيشة، وطول سنوات التعليم، وتأخر الاستقرار الوظيفي، إضافة إلى تغير أنماط الحياة والأولويات الشخصية، ما يدفع الكثير من الشباب إلى تأجيل الإنجاب حتى سن متأخرة، قبل أن يواجه بعضهم صعوبات في تكوين أسرة بسبب تراجع الخصوبة مع التقدم في العمر.

ويشير التقرير إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن غالبية الشباب لا يزالون يرغبون في إنجاب طفلين تقريبًا، إلا أن الرغبة لا تتحول في كثير من الأحيان إلى واقع بسبب الضغوط الاقتصادية وتأجيل قرار الإنجاب عامًا بعد آخر.

كما يلفت إلى أن تقنيات الإنجاب المساعدة تمنح بعض الأزواج فرصة إضافية، لكنها لا تمثل حلًا شاملًا، نظرًا لارتفاع تكلفتها وعدم ضمان نجاحها، فضلاً عن أنها تزيد الفجوة بين القادرين على تحمل نفقاتها وغير القادرين.

وتعد الكلفة الاقتصادية لتربية الأطفال من أبرز العوامل المؤثرة، إذ يقدر التقرير تكلفة تربية طفل واحد في الولايات المتحدة بنحو 320 ألف دولار لأسرة من الطبقة المتوسطة، بينما تصل في بريطانيا إلى نحو 250 ألف جنيه إسترليني، وهو ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى إعادة النظر في قرار الإنجاب، خاصة في ظل الضغوط المالية المتزايدة.

ويحذر باحثون من أن ما يبدو قرارًا منطقيًا على مستوى الأسرة قد يتحول إلى أزمة على مستوى المجتمع، لأن استمرار انخفاض المواليد يؤدي إلى اختلال التوازن بين عدد العاملين والمتقاعدين، ويضع ضغوطًا متزايدة على ميزانيات الدول وأنظمة الضمان الاجتماعي.

ورغم محاولات عدد من الحكومات الأوروبية معالجة الأزمة، فإن النتائج ظلت محدودة. فقد وسعت ألمانيا برامج رعاية الأطفال، ما ساهم مؤقتًا في رفع معدل الخصوبة قبل أن يعود إلى التراجع ويسجل مستوى تاريخيًا منخفضًا، بينما اعتمدت المجر على حوافز مالية وإعفاءات ضريبية للأسر الكبيرة، إلا أن التحسن الذي سجلته معدلات الإنجاب لم يستمر طويلًا.

كما أخفقت حملات التوعية الحكومية في تحقيق نتائج ملموسة، إذ أثارت بعض المبادرات، مثل حملة “يوم الخصوبة” في إيطاليا، انتقادات واسعة بدلاً من تشجيع الشباب على الإنجاب.

ويخلص التقرير إلى أن أزمة المواليد أصبحت واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الغرب، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة الحكومات على الحفاظ على استدامة أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية، وما إذا كانت الهجرة ستكون كافية لتعويض التراجع المستمر في أعداد المواليد خلال العقود المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى