السويد ترحل 458 بريطانياً بعد “بريكست” وسط انتقادات

أكدت السلطات السويدية ترحيل أو الإبعاد القسري لـ458 مواطنا بريطانيا منذ خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في أول كشف رسمي عن حجم عمليات الترحيل المرتبطة بفشل بريطانيين في تسوية أوضاع إقامتهم في البلاد بعد “بريكست”. ويأتي الكشف عن الرقم، الذي أكدته وكالة الهجرة السويدية، وفق تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية اليوم، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة إلى ستوكهولم بسبب ما يصفه ناشطون وسياسيون بنهج متشدد وغير متناسب في تطبيق قواعد الإقامة الجديدة على مواطنين بريطانيين كان بعضهم قد بنى حياته في السويد على مدى عقود.
وتكتسب القضية حساسية خاصة لأن عددا من المتضررين لم يكونوا مهاجرين جدد، بل أشخاصا عاشوا في السويد لسنوات طويلة، بينهم من انتقل إليها في طفولته، وأرملة مسنة تبلغ 78 عاما، فضلا عن أشخاص في أوضاع صحية أو اجتماعية هشة. وقالت وكالة الهجرة السويدية، المسؤولة عن ملفات الإقامة والهجرة، إن رفض طلب الحصول على وضع الإقامة بعد “بريكست” اقترن بقرار ترحيل في 458 حالة.
ويختلف هذا الرقم عن عدد البريطانيين الذين تلقوا أوامر بمغادرة السويد؛ إذ تشير بيانات أخرى إلى أن 2490 مواطنا بريطانيا تلقوا أوامر بمغادرة البلاد بين عامي 2021 و2025، وهو رقم يجعل السويد من أكثر دول الاتحاد الأوروبي تشددا في التعامل مع هذه الفئة. ويحذر ناشطون من أن رقم الـ458، رغم أهميته، لا يعكس بالضرورة الحجم الكامل للأزمة، لأنه لا يوضح، على سبيل المثال، عدد الأشخاص الذين غادروا السويد طوعا بعد إدراكهم أن فرص قبول طلباتهم ضعيفة.
كما أن الرقم لا يعكس وضع بريطانيين تمكنوا من البقاء بصورة مؤقتة عبر تصاريح إقامة وطنية، لكنهم ما زالوا يواجهون مستقبلا غير واضح بشأن حقهم في البقاء على المدى الطويل. وقال ديفيد ميلستيد، الذي يقود مجموعة “بريطانيون في السويد” التي تضم نحو 9 آلاف ناشط، إن المطلوب هو نشر بيانات كاملة وشفافة توضح طبيعة حالات الترحيل وأسبابها.
وبحسب ميلستيد، لا تزال السلطات لا تنشر بصورة كافية أعداد الأشخاص الذين تقدموا بطلبات متأخرة للحصول على وضع الإقامة، ولا نسبة الطلبات المتأخرة التي جرى قبولها. وتعود المشكلة إلى نظام الإقامة الذي اضطرت بريطانيا والسويد، مثل بقية دول الاتحاد الأوروبي، إلى تطبيقه بعد خروج بريطانيا من الاتحاد.
فالبريطانيون الذين كانوا يقيمون بصورة قانونية في السويد قبل نهاية الفترة الانتقالية ظلوا مشمولين بالحماية التي يوفرها اتفاق الانسحاب بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، لكن عليهم التقدم للحصول على وضع إقامة خاص يثبت حقوقهم الجديدة بعد “بريكست”. وكان الموعد النهائي في السويد قد حُدد في نهاية عام 2021.
وتسمح القواعد بتقديم طلبات متأخرة عندما يقدم صاحب الطلب “أسبابا معقولة” تفسر عدم احترام الموعد النهائي، على أن تقيّم وكالة الهجرة السويدية الظروف الفردية لكل حالة. وبحسب أحدث البيانات المتاحة التي أوردتها التقارير البريطانية، تلقت السويد 14,233 طلبا للحصول على وضع الإقامة بعد “بريكست”.
ورُفض ما يقرب من 4 آلاف طلب، وهي نسبة رفض أعلى بنحو ثلاثة أضعاف من أي دولة عضو أخرى في الاتحاد الأوروبي، وفقا لتحليل وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية، كما أنها أعلى بكثير من المتوسط الأوروبي الذي يتراوح بين 3 و4 بالمئة.
وتعتمد السويد نظاما يقوم على تقديم طلب للحصول على وضع الإقامة، خلافا لدول أوروبية اختارت نماذج أكثر مرونة أو إعلانية في الاعتراف بحقوق مواطني المملكة المتحدة المقيمين لديها قبل “بريكست”. وتوضح وكالة الهجرة السويدية رسميا أن البريطاني الذي كان يعيش في السويد قبل 31 كانون الأول/ديسمبر 2020 يستطيع، في حالات استثنائية، تقديم طلب متأخر إذا شرح سبب التأخير بصورة تعتبرها الوكالة «معقولة».
لكنها تؤكد أيضا أن مجرد كون الشخص مسجلا في السجل السكاني السويدي أو امتلاكه وثيقة تثبت حقه السابق في الإقامة لا يكفي وحده لتبرير التأخر. ولعل أكثر الحالات إثارة للجدل قضية جون سيلرز، البريطاني البالغ 34 عاما، الذي انتقل إلى السويد مع أسرته عندما كان في العاشرة من عمره.
عاش سيلرز في السويد لمدة 24 عاما، وتلقى تعليمه فيها، وتزوج من سويدية، لكنه انتهى إلى الترحيل بعد سنوات من الصراع مع السلطات بشأن وضعه القانوني. وتقول التقارير إنه تقدم بعدة محاولات لتسوية وضعه، بينها محاولة للحصول على الجنسية السويدية، لكن جهوده لم تمنحه الحماية التي كان يسعى إليها.
وانتهت القضية بإبعاده عن البلاد، في خطوة فصلته عن زوجته التي بقيت في مدينة غوتنبرغ. وتحولت قضية سيلرز إلى رمز للانتقادات الموجهة إلى تطبيق قواعد ما بعد «بريكست»، خصوصا أن الرجل لم يكن قد انتقل حديثا إلى السويد، بل قضى القسم الأكبر من حياته فيها.
ويقول سيلرز إن تجربته أظهرت الثمن الإنساني لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، داعيا إلى أن يدرك الناس كيف أثرت ترتيبات «بريكست» في عائلات بريطانية استقرت في أوروبا قبل الخروج. ومن الحالات التي أثارت اهتماما واسعا أيضا قضية جويس توماس، وهي أرملة بريطانية تبلغ 78 عاما، عاشت في السويد لمدة 21 عاما.
توماس، وهي ممرضة متقاعدة، أقامت جذورا عميقة في المجتمع السويدي؛ إذ يعيش ابنها وأحفادها هناك، كما يرتبط جزء كبير من حياتها اليومية والاجتماعية بالبلاد، فضلا عن وجود قبر زوجها الراحل فيها. لكن السلطات رفضت طلبها المتأخر للحصول على وضع الإقامة، بعدما اعتبرت أنها لم تقدم أسبابا “معقولة” بما يكفي لتفسير عدم تقديم الطلب في الموعد المحدد.
وبعد خسارتها الاستئناف، أصبحت مهددة بمغادرة السويد، مع احتمال أن تتحول المغادرة إلى إبعاد قسري إذا لم تمتثل للقرار. وفي حال عدم الامتثال، يمكن أن تواجه توماس أيضا حظرا على إعادة الدخول وتسجيل اسمها على قوائم المراقبة، بما قد يؤثر في قدرتها على دخول دول أخرى ضمن منطقة شنغن طوال فترة سريان الحظر.
وتقول توماس إنها لم تكن تدرك أنها مطالبة بالتقدم بطلب منفصل لتثبيت وضع إقامتها، بينما يرى داعموها أن حالتها تكشف عن فجوة بين التطبيق الإداري الصارم للقواعد وبين الهدف الأساسي من اتفاق الانسحاب، وهو حماية المواطنين الذين بنوا حياتهم على أساس حقوق حرية التنقل التي كانت قائمة قبل “بريكست”.
ولا تقتصر الأزمة على ملفات قديمة. فهذا الأسبوع، أوقفت الشرطة السويدية بريطانيا متقاعدا في ستوكهولم تمهيدا لإبعاده قسرا، بعد نزاع قانوني استمر سنوات بشأن حقه في الإقامة. وقالت زوجته السويدية إن الأسرة تحارب القرار منذ نحو خمس سنوات، وإنها شعرت بأن السلطات “تلاحق” زوجها رغم ارتباطه بحياته في السويد.
وتأتي هذه الواقعة بعد سلسلة من القضايا التي أعادت ملف البريطانيين المتضررين من ترتيبات ما بعد “بريكست” إلى الواجهة السياسية في السويد وبريطانيا. وأكدت ستوكهولم أنها تطبق اتفاق الانسحاب والقوانين المعمول بها، فيما تتهمها جماعات بريطانية وسياسيون بنهج متشدد يفتقر إلى المرونة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.


