البحرية الروسية تعود للوسط بعد غياب طويل وسط مراقبة مشددة

أنهت مجموعة من السفن الروسية دخولها إلى البحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق، نهاية فترة انقطاع استمرت نحو شهرين، وهي المرة الأولى التي يغيب فيها الوجود البحري الروسي عن المنطقة منذ عام ألفين وثلاثة عشر. وقد رصت مصادر أوروبية هذه السفن وهي تعبر الممرات المائية، مما يعكس استمرار موسكو في محاولة الحفاظ على موطئ قدم لها في المنطقة رغم الضغوط الدولية المتزايدة.
ضم القافلة البحرية أربع سفن تابعة لما يُعرف بشبكة الإمداد الروسية غير الرسمية المعروفة باسم “الإكسبرس السوري”، والتي تنقل المعدات والأسلحة بين الموانئ الروسية وطرطوس السورية. وقد رافقت هذه السفن مدمرة روسية، فيما أظهرت بيانات التتبع البحري أن الطاقم أوقف أجهزة تحديد الموقع قبل عبور المضيق، في خطوة أصبحت شبه منهجية لدى الأسطول الروسي لتجنب الكشف عن مساره.
وتشمل السفن الخاضعة للعقوبات التي شكلت الرتل ناقلات نفط وبواخر شحن مرتبطة بـ”أسطول الظل” الروسي، الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على العقوبات الغربية. ومن بين هذه السفن ناقلة النفط “جنرال سكوبيليف” وسفينة الشحن “سبارتا” وسفينة الإمداد “أكاديميك باشين”، جميعها كانت تحت مرافقة المدمرة “أدميرال ليفتشينكو” أثناء عبورها المتوسط.
على الرغم من عودتها، تخضع التحركات البحرية الروسية لمراقبة أوروبية مكثفة ومباشرة. فقد تابعت الفرقاطة الإيطالية “كارابينييري” السفن الروسية عن كثب أثناء إبحارها في وسط البحر المتوسط، بعد رصد وجودها عند مضيق جبل طارق. كما نشرت بريطانيا ثلاث سفن حربية في القناة الإنجليزية لمراقبة مرور الرتل الروسي، مما يعكس مستوى اليقظة العالي لدى الدول الأوروبية حيال تحركات الأسطول الروسي.
وتأتي عودة السفن إلى ميناء طرطوس في وقت تسعى فيه موسكو جاهدة للحفاظ على حضورها العسكري في سوريا بعد التغيرات السياسية الأخيرة. فقد غادرت السفن الحربية الروسية الميناء بسرعة في ديسمبر الماضي خوفا من احتجازها، لكن دمشق وموسكو توصلتا في أغسطس إلى اتفاق جديد يحول القاعدتين إلى مراكز مشتركة للتدريب وبناء القدرات.
ويشير مصدر عسكري أوروبي رفيع إلى أن توقف أجهزة التعريف الآلي أصبح أكثر تكرارا لدى السفن الروسية المرتبطة بشبكة الإمداد، مما يجعل تتبعها أمرا صعبا. ويضيف المصدر أن هذا السلوك يعكس محاولة موسكو للاستمرار في دعم نظام الأسد السابق والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
وتواجه البحرية الروسية عقبات كبيرة في استمرار هذا الوجود، أبرزها تقادم جزء كبير من أسطولها البحري والعقوبات الأوروبية المفروضة على السفن المرتبطة بأسطول الظل. كما تواجه موسكو ضغوطا متزايدة في البحر الأسود بسبب الهجمات الأوكرانية المستمرة باستخدام الطائرات المسيرة والزوارق الحربية.
ويرى المحللون أن الضغط الأوروبي والأوكراني يدفع موسكو إلى توفير مرافقة عسكرية لناقلات النفط التابعة لها، مما يزيد من تعقيد عملياتها اللوجستية. وتبدو العودة الحالية مؤشرا على أن روسيا تحاول بكل الوسائل الحفاظ على حضورها البحري في المتوسط رغم الصعوبات المتزايدة.
وتعتبر قاعدة طرطوس أهمية استراتيجية لموسكو، كونها القاعدة البحرية الوحيدة خارج أراضي الاتحاد السوفيتي السابق. وقد أنشأ الاتحاد السوفيتي المنشأة عام ألف وتسعمائة وسبعة وسبعين بموجب اتفاق مع دمشق، لاستخدامها ك نقطة تزود وصيانة رئيسية للأسطول الروسي في المتوسط خلال الحرب الباردة.
وفي سبتمبر ألفين وخمسة عشر، تدخلت روسيا عسكريا في سوريا دعما لحكومة بشار الأسد، في وقت كانت قواته تواجه خسائر ميدانية أمام فصائل المعارضة. وقد ساهم هذا التدخل في تغيير مسار الصراع، لكنه جعل الوجود الروسي عرضة للمخاطر السياسية والعسكرية.
وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر ألفين وأربعة وعشرين، حاولت موسكو إعادة ترتيب أوراقها لضمان استمرار وجودها. وقد نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية عن وزارة الخارجية أن القاعدتين ستتحولان إلى مراكز مشتركة تهدف إلى الحفاظ على المصالح المتبادلة بين البلدين.
ويؤكد المصدر العسكري الأوروبي أن قدرة موسكو على الحفاظ على حضور مستمر في البحر المتوسط تواجه تحديات متعددة. فبالإضافة إلى العقوبات والتقادم، فإن الوضع الأمني المتغير في سوريا يضيف طبقة أخرى من التعقيد على خطط موسكو الاستراتيجية في المنطقة.
وتستمر المراقبة الأوروبية المشددة للسفن الروسية، حيث تعمل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على تنسيق جهودها لمتابعة تحركات الأسطول الروسي. ويعكس ذلك الاهتمام الكبير الذي توليه أوروبا لأي محاولة روسية لتعزيز نفوذها في منطقة المتوسط.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.