أيرلندا تواجه أصعب اختبار أوروبي للتوصل إلى ميزانية بقيمة تريليوني يورو
قبل انتخابات 2027

تستعد أيرلندا لخوض واحدة من أصعب المهام السياسية في الاتحاد الأوروبي مع توليها الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، إذ ستكون مطالبة بقيادة مفاوضات شائكة للتوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية الأوروبية الجديدة الممتدة بين عامي 2028 و2034.
ويأتي ذلك وسط انقسام حاد بين الدول الداعية إلى خفض الإنفاق وتلك المطالبة بزيادة التمويل، وضغط زمني متزايد قبل الانتخابات العامة المرتقبة في عدد من الدول الأوروبية الكبرى عام 2027.
وستتولى دبلن رسمياً إدارة مفاوضات الإطار المالي متعدد السنوات اعتباراً من الأول من يوليو، خلفاً لقبرص، بعد تعثر الأخيرة في تحقيق تقدم ملموس إثر رفض عدد من الدول الغنية مقترحاً تفاوضياً قدمته في يونيو الماضي.
وتبلغ قيمة الميزانية المقترحة من المفوضية الأوروبية نحو تريليوني يورو، تشمل 166 مليار يورو مخصصة لسداد الديون التي ترتبت على برامج التعافي الاقتصادي بعد جائحة كوفيد-19، إلى جانب تمويل السياسات الأوروبية في مجالات الزراعة، والدفاع، والتنمية الإقليمية، والابتكار، خلال السنوات السبع المقبلة.
ويسعى قادة الدول السبع والعشرين إلى إنجاز الاتفاق قبل نهاية الرئاسة الأيرلندية في ديسمبر المقبل، خشية أن تؤدي الانتخابات المقررة عام 2027 في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا إلى تغيير موازين القوى السياسية، بما يعقد فرص التوصل إلى تسوية بشأن الميزانية.
ويزداد هذا القلق مع صعود قوى سياسية معارضة لزيادة مساهمات الدول في ميزانية الاتحاد الأوروبي.
فقد أعلن رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا، الذي يعد من أبرز المرشحين للرئاسة الفرنسية، أنه سيسعى إلى خفض مساهمة فرنسا في ميزانية الاتحاد الأوروبي إلى النصف إذا وصل إلى السلطة، وهو ما يهدد بإعادة رسم خريطة المفاوضات المالية داخل التكتل.
ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة، خصوصاً مع اقتراب القمة الأوروبية المقررة في 17 ديسمبر، التي يتوقع أن تشهد حسم أكثر الملفات حساسية بعد أشهر من المفاوضات المكثفة.
وقال أحد الدبلوماسيين الأوروبيين إن المفاوضات النهائية ستكون شديدة الصعوبة، مضيفاً أن “الدماء ستراق على الجدران”، في إشارة إلى حدة الخلافات المتوقعة حول توزيع الإنفاق الأوروبي.
ويعود جزء من هذه التوترات إلى الوثيقة التفاوضية التي أعدتها قبرص، والتي اقترحت خفض حجم ميزانية المفوضية بنسبة لا تتجاوز 2%، وهو ما اعتبرته الدول الأكثر ثراءً غير كافٍ، مطالبة بتقليص أكبر للإنفاق الأوروبي.
واتهمت تلك الدول نيقوسيا بالانحياز إلى المعسكر المؤيد لتوسيع الميزانية، المعروف داخل الاتحاد باسم “أصدقاء التماسك”، والذي يضم 17 دولة تطالب بزيادة الإنفاق على الزراعة والتنمية الإقليمية.
ومن المنتظر أن تقدم أيرلندا في أكتوبر المقبل نسخة جديدة من ما يعرف داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي بـ”صندوق التفاوض”، إلى جانب مقترحات بشأن الموارد الذاتية، أي الضرائب الأوروبية المشتركة التي يُفترض أن تمول جزءاً من الميزانية الجديدة، وهي من أكثر الملفات إثارة للخلاف بين الدول الأعضاء.
وتتمثل المهمة الأساسية للرئاسة الأيرلندية في إدارة المفاوضات بصورة محايدة، بما يسمح بصياغة مقترح يحظى بقبول الدول الداعية إلى زيادة الإنفاق، وكذلك الدول المطالبة بتقليص الميزانية.
وتتمتع أيرلندا بموقع يسمح لها بالقيام بهذا الدور، إذ انتقلت خلال العقود الماضية من دولة تتلقى دعماً مالياً من الاتحاد الأوروبي إلى واحدة من كبار المساهمين في ميزانيته، بعد النمو الاقتصادي الكبير الذي حققته منذ تسعينيات القرن الماضي.
وقال وزير المالية الأيرلندي سيمون هاريس إن بلاده مستعدة للقيام بدور “الوسيط النزيه”، مؤكداً أن الرئاسة الأيرلندية ستعتمد على الاستماع إلى جميع الدول الأعضاء والعمل على تقريب وجهات النظر.
كما وصف وزير الشؤون الأوروبية توماس بيرن موقف بلاده بأنه “وسطي”، مؤكداً أن أيرلندا تدرك دوافع كل من الدول المطالبة بخفض الميزانية والدول التي تطالب بالحفاظ على مستويات الإنفاق الحالية.
ورغم تأييدها العام لضبط الإنفاق الأوروبي باعتبارها من أغنى اقتصادات الاتحاد، فإن أيرلندا تُعد أيضاً من أبرز المدافعين عن استمرار الدعم الزراعي الأوروبي، ما يجعلها أقرب إلى موقع التوازن بين المعسكرين.
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة الأخيرة من المفاوضات تدخلاً مباشراً من رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الذي يعتزم القيام بجولة في عواصم الاتحاد خلال شهري أغسطس وسبتمبر لاستطلاع مواقف القادة الأوروبيين ومحاولة تقريب وجهات النظر.
كما سيعقد كوستا اجتماعاً خاصاً لقادة الاتحاد الأوروبي يومي 26 و27 نوفمبر، يخصص بالكامل لمناقشة الميزانية، تمهيداً للوصول إلى اتفاق نهائي قبل نهاية العام.


