رئيسيشئون أوروبية

اليمين المتطرف الفرنسي يغرق في أزماته القضائية مع اتساع التحقيقات ضد قادته

تتواصل الضغوط القضائية على حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا، بعدما فتحت تحقيقات جديدة بحق عدد من قياداته، في تطور يهدد بإبقاء الحزب تحت وطأة الملاحقات القانونية رغم اقتراب صدور الحكم في استئناف زعيمته مارين لوبان، الذي يُنتظر أن يحسم مستقبلها السياسي والمرشح الذي سيخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وتأتي التطورات الجديدة بعدما نفذت الشرطة الفرنسية، الثلاثاء، مداهمات مرتبطة بتحقيق يقوده مكتب الادعاء العام الأوروبي بشأن شبهات إساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي، في قضية تطال رئيس الحزب الحالي جوردان بارديلا، الذي يُنظر إليه باعتباره البديل المحتمل لمارين لوبان في الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

ويأمل حزب التجمع الوطني منذ أشهر في أن يشكل الحكم المرتقب في قضية لوبان نهاية لسلسلة طويلة من الأزمات القضائية، بما يسمح للحزب بتوجيه كامل جهوده نحو الاستحقاق الرئاسي المقبل، إلا أن التحقيقات الجديدة بددت هذه الآمال، وأعادت الحزب إلى دائرة الجدل القانوني.

وبحسب التحقيق الأوروبي، تتعلق القضية بشبهات إساءة استخدام أموال مجموعة “الهوية والديمقراطية” السابقة في البرلمان الأوروبي، والتي كان بارديلا أحد أبرز أعضائها، وسط اتهامات بارتكاب مخالفات مالية تتجاوز قيمتها 4.3 ملايين يورو وفق تقرير تدقيق داخلي.

وتضع هذه التحقيقات بارديلا أمام اتهامات مشابهة لتلك التي واجهتها مارين لوبان في قضية اختلاس أموال البرلمان الأوروبي، ما يثير تساؤلات حول قدرة الحزب على تقديم نفسه بديلاً سياسياً نظيفاً في ظل تزايد الملفات القضائية التي تطال قياداته.

ورغم ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن التداعيات السياسية قد تبقى محدودة، إذ لا يزال حزب التجمع الوطني يحافظ على موقعه كأحد أقوى الأحزاب الفرنسية، فيما يظهر بارديلا كأحد أبرز المرشحين للوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ويرى خبراء استطلاعات الرأي أن الناخبين الفرنسيين أصبحوا أقل تأثراً بالقضايا القضائية التي تطال السياسيين، في ظل تكرار مثل هذه الملفات بحق شخصيات من مختلف التيارات السياسية، بينهم رؤساء سابقون ورؤساء حكومات ومرشحون للرئاسة.

وفي المقابل، يحذر مراقبون من أن استمرار التحقيقات قد ينعكس على صورة الحزب على المدى البعيد، خاصة بعدما عمل خلال السنوات الأخيرة على تحسين صورته وإبعاد نفسه عن الإرث التقليدي لليمين المتطرف في فرنسا.

وسارع جوردان بارديلا إلى الرد على الاتهامات، متهماً الادعاء العام الأوروبي بالتحرك بدوافع سياسية، مؤكداً أن الحزب “لا يملك ما يخفيه”، وأنه سيبرهن على براءته أمام القضاء.

كما اصطف قادة الحزب للدفاع عنه، معتبرين أن التجمع الوطني يتعرض لما وصفوه بـ”الاستهداف السياسي” من قبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

من جانبها، شككت مارين لوبان في توقيت المداهمات، معتبرة أن تنفيذها قبل أيام قليلة من صدور الحكم في استئنافها يثير علامات استفهام، وقالت إنها لم تعد تؤمن بوجود مصادفات عندما يتعلق الأمر بهذا النوع من القضايا.

ولا تتوقف الضغوط القضائية عند هذه القضية، إذ يواجه بارديلا تحقيقات أخرى تتعلق بإدارة الأموال الأوروبية.

فقد كشفت تقارير عن اتهام مجموعة “الوطنيون” التي يقودها داخل البرلمان الأوروبي بإساءة استخدام نحو 277 ألف يورو من أموال الاتحاد الأوروبي خلال النصف الثاني من عام 2024.

كما فتح الادعاء الأوروبي في مايو الماضي تحقيقاً منفصلاً بشأن شبهات اختلاس أموال مرتبطة بدورات تدريب إعلامية سبقت الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022، وهي الدورات التي استفاد منها بارديلا خلال حملة مارين لوبان الانتخابية.

وفي تطور آخر، أفادت تقارير إعلامية فرنسية بأن السلطات تستعد لفتح تحقيق جديد بشأن وثائق يشتبه في أنها مزورة قدمها بارديلا لإثبات عمله داخل البرلمان الأوروبي عام 2015.

ورغم تصاعد هذه الملفات، يتعامل خصوم التجمع الوطني بحذر مع استغلالها سياسياً، نظراً لأن عدداً من أبرز الشخصيات السياسية الفرنسية يواجه بدوره تحقيقات قضائية.

ويخضع رئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح الرئاسي إدوارد فيليب لتحقيق يتعلق بشبهات اختلاس، فيما سبق أن خضع زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون لتحقيق في قضية مرتبطة باستخدام أموال البرلمان الأوروبي قبل أن يتم إسقاطها لاحقاً.

وفي الداخل، يواصل التجمع الوطني اعتماد استراتيجية تقوم على الطعن في دوافع النيابة العامة والسلطات القضائية، معتبراً أن القضايا المطروحة ذات طبيعة سياسية أكثر منها قانونية، بدلاً من الدخول في تفاصيل الاتهامات المالية.

ويرى مسؤولون في الحزب أن الملفات المرتبطة باستخدام أموال البرلمان الأوروبي معقدة، وأن معظم الأحزاب الأوروبية تواجه إشكالات مشابهة تتعلق بالفصل بين الأنشطة الوطنية والمهام البرلمانية الأوروبية.

غير أن استمرار فتح تحقيقات جديدة بحق قيادات الحزب يهدد بإبقاء ملفاته القضائية حاضرة بقوة خلال الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية، وهو ما قد يضعف جهود التجمع الوطني لتقديم نفسه كحزب جاهز لتولي السلطة، في وقت يسعى فيه بارديلا إلى ترسيخ صورة مختلفة عن الصورة التقليدية التي ارتبطت لعقود باليمين المتطرف الفرنسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى