أوكرانيا تواجه الصواريخ الروسية بنظام تشويش منخفض الكلفة

تتجه أوكرانيا بصورة متزايدة إلى استخدام أنظمة الحرب الإلكترونية المحلية لتعويض النقص الحاد في صواريخ الدفاع الجوي الغربية، عبر الاعتماد على منظومة جديدة تحمل اسم “ليما” قادرة على تضليل الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية وتحويل مسارها بعيداً عن المدن والبنية التحتية الحيوية.
وأصبح نظام “ليما” أحد أهم عناصر الدفاع الجوي الأوكراني خلال الأشهر الأخيرة، خاصة مع تصاعد الضربات الروسية بعيدة المدى واستنزاف مخزون كييف من صواريخ الاعتراض الباهظة الثمن.
وعلى عكس أنظمة الدفاع التقليدية التي تعتمد على إسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة عبر الصواريخ المضادة، يعمل “ليما” من خلال التشويش على إشارات الملاحة عبر الأقمار الصناعية وتزييفها، ما يؤدي إلى انحراف الأسلحة الروسية عن أهدافها الأصلية.
وقال أحد مطوري النظام، الذي يستخدم الاسم الحركي “ألكيميست”، إن المنظومة قادرة على التدخل في أنظمة التوجيه الروسية وإرسال إحداثيات خاطئة تجعل الصواريخ تسقط في مناطق مفتوحة بدلاً من إصابة أهدافها.
وأضاف أن النظام لا يكتفي بتعطيل الملاحة الفضائية، بل يستخدم أيضاً تقنيات “التزييف” لإقناع الصواريخ والطائرات المسيّرة بأنها تتحرك في مواقع مختلفة تماماً عن مسارها الحقيقي، موضحاً أن بعض الهجمات جرى حرفها عبر جعل الأسلحة الروسية “تعتقد أنها في بيرو”.
وطورت النظام شركة “كاسكيد سيستمز”، وهي شركة دفاع أوكرانية ناشئة مسجلة في الولايات المتحدة، وتقوم المنظومة بإنشاء مجالات تشويش واسعة تعطل أنظمة الملاحة المرتبطة بالأقمار الصناعية مثل “غلوناس” الروسي.
وفي حال فقدت الصواريخ الروسية إشارات الأقمار الصناعية، فإنها تواصل الطيران باستخدام أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي، لكن دقتها تتراجع بصورة كبيرة، حيث يمكن أن تنحرف بنحو كيلومترين لكل مئة كيلومتر من الطيران.
وأكد مطورو النظام أن “ليما” يمتلك ميزة رئيسية تتمثل في انخفاض تكلفته مقارنة بأنظمة الدفاع الجوي الغربية، إذ تبلغ تكلفة الوحدة الواحدة نحو 58 ألف يورو فقط، بينما تقدر تكلفة حماية مدينة كاملة بنحو خمسة ملايين يورو، أي ما يعادل تقريباً سعر صاروخ واحد من طراز “باتريوت باك-3”.
وأعلنت شركة “كاسكيد” أنها سلمت الجيش الأوكراني أكثر من 400 وحدة من النظام، وبدأ استخدامه ميدانياً منذ يوليو 2024 قبل توسيع نطاق تشغيله لحماية البنية التحتية المدنية اعتباراً من أكتوبر 2025.
وبحسب الشركة، تمكنت منظومات “ليما” خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية من التشويش على أكثر من 20,500 طائرة مسيرة روسية من طراز “شاهد”، إضافة إلى تضليل عشرات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز.
وقال ماكسيم سكوريتسكي، رئيس قسم الحرب الإلكترونية في القوات البرية الأوكرانية، إن النسخ الأحدث من النظام أصبحت قادرة على التعامل حتى مع الصواريخ الباليستية التي تعتمد على أنظمة الملاحة الفضائية الروسية.
كما نجحت أوكرانيا في استخدام “ليما” ضد القنابل الانزلاقية الروسية، التي كانت تشكل تحدياً كبيراً بسبب استخدامها المكثف قرب خطوط الجبهة، حيث تمكن المهندسون من تطوير وسائل للتغلب على الهوائيات الروسية المضادة للتشويش.
وأوضح سكوريتسكي أن انحراف القنبلة الانزلاقية لمسافة عشرين متراً فقط قد يكون كافياً لإنقاذ الهدف المقصود من التدمير الكامل.
لكن المسؤولين الأوكرانيين أقروا بأن الحرب الإلكترونية لا توفر حماية كاملة، إذ إن الصواريخ والطائرات المسيّرة المنحرفة قد تسقط أحياناً على أهداف مدنية أو تتسبب بأضرار رغم فقدانها الدقة.
وقد تحولت الحرب الإلكترونية إلى سباق تقني متواصل بين موسكو وكييف، حيث تعمل روسيا باستمرار على تحديث أنظمة التوجيه والهوائيات المضادة للتشويش، بينما تواصل أوكرانيا تطوير قدرات “ليما” لمواجهة هذه التعديلات.
وفي مطلع عام 2025، أدخلت روسيا هوائيات “كوميتا” المطورة المضادة للتشويش، ما أدى إلى تراجع فعالية النسخ القديمة من “ليما” وأنظمة الحرب الإلكترونية الأوكرانية الأخرى.
وقال مطور النظام إن المهندسين الأوكرانيين اضطروا للعمل لأسابيع داخل المختبرات لتطوير نسخة جديدة تحمل اسم “ليما كوانت”، تعتمد على تقنيات ترددات عالية متطورة لتضليل الأنظمة الروسية الحديثة.
وأكد أن أوكرانيا تضطر إلى تعديل النظام باستمرار بناءً على تحليل الضربات الروسية وتطور تقنيات التوجيه لدى موسكو، مشيراً إلى أن “الحرب تتغير يومياً، وكذلك الحرب الإلكترونية”.



