
تصاعدت الخلافات بين شركتي الذكاء الاصطناعي الأمريكيتين “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” بشأن مستقبل تنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، مع تبني كل شركة رؤية مختلفة للتشريعات التي ينبغي أن تحكم تطوير النماذج المتقدمة، في وقت يواصل فيه الكونغرس تأجيل إقرار إطار اتحادي موحد ينظم هذا القطاع سريع النمو.
وأعلنت شركة “أنثروبيك” أنها تدعم سن قوانين أكثر صرامة على مستوى الولايات الأمريكية، معتبرة أن لكل ولاية الحق في تبني تشريعات تتجاوز الحد الأدنى من معايير السلامة، بدلاً من الاكتفاء بإطار موحد يطبق في جميع أنحاء البلاد.
وقال سيزار فرنانديز، رئيس العلاقات الحكومية المحلية والولائية في الشركة، إن “أنثروبيك” لا تسعى إلى تكرار مشروع قانون واحد في جميع الولايات، وإنما تدعم التشريعات التي ترفع فعلياً مستوى سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً، مشيراً إلى أن انتظار تحرك الكونغرس لم يعد خياراً عملياً في ظل التطور السريع للتكنولوجيا.
ويضع هذا الموقف الشركة في مواجهة مباشرة مع منافستها “أوبن إيه آي”، التي تروج لاستراتيجية أطلقت عليها “الفيدرالية العكسية”، وتعتمد على تشجيع الولايات على تبني قوانين متقاربة بهدف الوصول تدريجياً إلى إطار تنظيمي وطني موحد للذكاء الاصطناعي.
ودافعت “أوبن إيه آي” عن نهجها، معتبرة أن توحيد الضمانات الأساسية بين الولايات يساعد الجهات التنظيمية على تطبيق القوانين، ويوفر حماية أوضح للمستخدمين، ويجنب المطورين التعامل مع متطلبات تنظيمية متضاربة من ولاية إلى أخرى.
ويأتي هذا التباين في وقت يشهد فيه ملف تنظيم الذكاء الاصطناعي حالة من الغموض، مع استمرار تعثر الكونغرس في التوصل إلى تشريع اتحادي شامل، وتباين مواقف الإدارة الأمريكية بشأن حجم القيود التي ينبغي فرضها على شركات التكنولوجيا.
وأكدت “أنثروبيك” أنها كانت من أوائل الشركات التي دعمت قانون كاليفورنيا لتنظيم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والذي ركز على تعزيز الشفافية في خطط السلامة، قبل أن تتبنى لاحقاً مواقف أكثر تشدداً تدعو إلى فرض التزامات إضافية على الشركات المطورة للنماذج المتقدمة.
وأوضحت الشركة أن تطور قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الأخيرة دفعها إلى دعم مشاريع قوانين أكثر صرامة في ولايات نيويورك وإلينوي وماساتشوستس، معتبرة أن الاكتفاء بالإفصاح الطوعي أو تقارير الشركات الذاتية لم يعد كافياً لضمان السلامة.
وأشار فرنانديز إلى أن نموذج “كلود ميثوس” الذي طورته الشركة كشف خلال الاختبارات عن قدرات متقدمة في استغلال الثغرات الأمنية في أنظمة تشغيل الحواسيب، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى فرض قيود مؤقتة على تصدير التقنية حتى معالجة المخاطر الأمنية المرتبطة بها.
وشهدت ولاية إلينوي مؤخراً إقرار أحد أكثر القوانين صرامة في هذا المجال، بعدما ألزم شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة بإجراء عمليات تدقيق سنوية مستقلة من جهات خارجية لخطط السلامة الخاصة بها، وهو إجراء غير مسبوق حظي بدعم كل من “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي”.
وفي ولاية ماساتشوستس، دعمت “أنثروبيك” مشروعاً تشريعياً يتضمن إلزام الشركات بتكليف خبراء مستقلين لتقييم احتمالات المخاطر الكارثية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك احتمال إساءة استخدامه في تطوير أسلحة بيولوجية، مع منح المدعي العام للولاية صلاحيات تنفيذ هذه المتطلبات.
وامتد التنافس بين الشركتين إلى الساحة السياسية، إذ ارتبطت كل منهما بشبكات لجان عمل سياسي تنفق ملايين الدولارات لدعم مرشحين يتبنون رؤيتها لتنظيم الذكاء الاصطناعي، بينما بدأت “أنثروبيك” خلال الأشهر الأخيرة تقديم تبرعات مباشرة لعدد من المشرعين في ولاية كاليفورنيا.
وأكد فرنانديز أن الشركة تدعم المرشحين الذين يتوافقون مع رؤيتها بشأن تعزيز سلامة الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن هدفها يتمثل في ضمان تطوير تقنيات متقدمة تحقق فوائد للمجتمع مع تقليل المخاطر المحتملة، نافياً وجود تنسيق بين الشركة وموظفيها فيما يتعلق بالتبرعات السياسية الفردية.
ويعكس الخلاف بين أكبر شركتين في قطاع الذكاء الاصطناعي اتساع الجدل داخل الولايات المتحدة حول طبيعة الضوابط التي يجب فرضها على هذه التكنولوجيا، وسط تزايد الضغوط لوضع إطار تنظيمي يوازن بين تشجيع الابتكار والحد من المخاطر الأمنية والمجتمعية المصاحبة للتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.



